الثلاثاء، 7 أبريل، 2015

"كل الجمالات مني فلا تنشغل بها عني"



حديث الجمعة
 14 جمادى الآخر 1436هـ الموافق 3 أبريل 2015م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
      الحمد لله الذي أقامنا فيما أقامنا فيه، وهَيَّأ لنا من أسباب حياتنا ما به نسير على أرضنا، لنكسب حياتنا ولنُعِدَّ أنفسنا لحياةٍ دائمة. الحمد لله الذي أرسل لنا آياته، وتجلى علينا بكلماته، وأرسل إلينا رسله، وأنزل كتابه، "خَلَقَ الْإِنسَانَ،عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"[الرحمن 4،3]، "...عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31].
      إنا وإن كنا نعيش في حجابٍ من ظلام، إلا أن الله قد أوجد لنا في هذا الحجاب، ما به نراه. وهذا معنى من معاني [لو كشف عني الحجاب، ما ازدت يقينا](1)؛ لأن الله تجلى لنا في هذه الأرض وفي هذا الحجاب الذي نعيش فيه، بما به نراه.
      ولكن الكثيرين لا يرونه فيما هم فيه قائمون، ويبحثون عنه خارج هذا الوجود، فيبحثون عن خرق العادات، وعن تواجد المعجزات، ووجودهم معجزةٌ أكبر من أي معجزة، وأسباب الحياة بينهم أكبر من أي خرقٍ لعادات. لذلك، فإن "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، يقولون: "...رَبَّنَا مَخَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
      فواجب الإنسان، أن يكون أكثر صدقاً في تعامله مع حياته، ومع وجوده، ومع خلقه وأسباب خلقه، وتواجده وأسباب تواجده، وحياته وأسباب حياته، وأن يرى الله في كل ما يحدث له، وفي كل ما يستطيع أن يراه، وفي كل ما يسمعه، وفي كل ما يقرؤه، في أسباب حياته، في أسباب معيشته، في علاج دائه، فيما يتعلمه، وفيما يفعله، فيما يصل إليه، وفيما يصدر عنه، في الحياة وتأثيرها عليه، وفي الحياة وتأثيره فيها.
      "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ"[الذاريات 6]، "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، "..خَلَقَ فَسَوَّى"[الأعلى 2]، "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا"[الشمس 7]، [ما ظهر الله في شيءٍ مثل ظهوره في الإنسان](2). علينا أن نستفيد بما أعطانا الله، وبما وهبنا من نِعَمِه، لا نُفرِّط فيما أعطانا بحثاً عن وهمٍ نتوهمه، وعن صورةٍ لا نراها، بل نخلقها بأذهاننا، "...كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ..."[النور 39]، "...وَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ..."، نتأمل فيها أنه وجد الله فيما أعطاه وفيما وهبه، وجد الله فيما أفاض به عليه، وفيما منحه إياه، وليس في سرابٍ يتصوره أو يظنه.
      إنها من المفاهيم التي ربما تكون متوارثة عند البعض، وقد تكون أكثر تجسيداً عند من يظنون أنهم من المتصوفة، أن الذكر يُورِث خرق العادات، ورؤى الجمالات، فيظن البعض أن الكرامات دليل الوصول، وبرهان الرضا، وبلوغ المقامات. وهي قضيةٌ أثيرت في كثيرٍ من كتب الصوفية وحديثهم، ألا ينجرف الإنسان في هذا الاتجاه(3).
      فقد يكون كل ذلك من كراماتٍ وجمالاتٍ هو إشاراتٌ للإنسان في طريقه الأبديّ، في رحلته اللانهائية، في معراجه في الله، فقد تكون كل هذه الأمور علامات، ولكن لا يجب أن يتوقف الإنسان العابد عندها كثيراً. وهذا القول عبر عن ذلك: [كل الجمالات مني، فلا تنشغل بها عني](4)، و[من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيت له أفضل ما أعطي السائلين](5).
      والمسألة هنا، تعني أن الإنسان يريد التَمُيُّز بذكر الله، وأن يكون عنده قدرات تفوق قدرات البشر، ربما يتصور البعض ذلك، وإذا قام الإنسان في ذلك، توقف عن السعي في طريق الله. إن الافتقار إلى الله، يجعل الإنسان دائماً في طلبٍ وذكرٍ دائمٍ لله، ليتعرض لنفحاته ورحماته، ذهنه لا ينشغل بصورةٍ ولا بشكلٍ يريد أن يكون عليه، فهو يسلِّم أمره لله.
      إنه يعلم أن ما أعطاه الله في حاضره وفي وجوده، عطاءٌ كبير، "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"[الضحى 11]، وأنه عليه أن يُعمِل كل هذه الطاقات، ولا يُفرِّط فيها، فهو يملك كنوزاً كثيرة في وجوده، فيما أعطاه الله من نِعمَة التفكر والتدبر، وما أعطاه من نِعمَة الذكر، وما أعطاه من قدرة العمل. فليُفَعِّل كل هذا العطاء، ليكون أهلاً لرحمة الله، بلا تصورٍ معين، وبلا شكلٍ محدد، إنما بتجريدٍ كامل.
      عباد الله: نُذكِّر أنفسنا بذلك، حتى نكون من الذين يتمسكون "...بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا..."[البقرة 256]، يتمسكون بعطاء الله لهم، ويُفَعِّلون كل ما أعطاهم الله، ولا يعيشون في وهمٍ أو في خيالٍ أو في ظنٍ، مُفرِّطين بذلك فيما بين يديهم، باحثين عن أمورٍ لا تنفعهم، بظن البحث عن الله، والله بين جوانحهم، أقرب إليهم من حبل الوريد(6) ومعهم أينما كانوا(7).
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا، فاهدنا يا ربَّ العالمين، واغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، واجعلنا عباداً لك صالحين.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن ما أعطانا الله في شهادتنا، في وجودنا، وفي أرضنا، في أسباب وجودنا، وأسباب حياتنا، هو عطاءٌ كبير، "...رَبَّنَا مَخَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً..." خلق كل شيءٍ بحكمة، لنتأمل ونتدبر، لنتعلم ونُعَلم.
      فكما "...عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."، علم آدمُ بنيه، وكما علمك الله يا إنسان، عَلِّم إخوانك في الحياة، علم هذا الوجود وأسباب الوجود، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، إقرأوا كتاب الله، الذي هو متجلي عليكم في كل ما أنتم به محيطون، "...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء..."[البقرة 255].
      وقد شاء الله أن تحيطوا بكثيرٍ من العلم بالنسبة لكم، والذي هو نقطةٌ في بحرٍ من علمه، "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"[الكهف 109]، "...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"[البقرة 255].
      إن عطاء الله لنا في حياتنا، وآياته في مشهودنا، لهي نِعَمٌ كثيرة، علينا أن نتمسك بها، وأن نتعلمها، وأن نبحث عنها، فهناك الكثير الذي نستطيع أن نتعلمه فيما هو مشهودٌ لنا، فلنبحث عنه لننفع أنفسنا وننفع الآخرين. ولا نظن أن الله وراء هذه الحجب التي نعيشها، فالله أقرب إلينا من حبل الوريد(8)، ومعنا أينما كنا(9)، ومتجلي في كل ما نراه على أرضنا.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.

___________________________

(1)  مقولة للإمام علي كرم الله وجهه "لو كشف الغطاء عنى ما ازددت يقينا".

(2)  مقولة صوفية.

(3)   ، (4) تعددت أقوال الصوفية في هذا الشأن وقد أجملها السيد/ رافع محمد رافع في كتاب "من وحي يثرب":

ففي صفحة 144 في انحراف البحث عن الخبير والمثال: "....ولكنهم في المقابر لهم يعرفون!.. ومعهم يتلاقون!.. وبالأوهام لهم يصفون، وبالأحلام، لهم يشهدون، وبزعم التقوى والكبرياء، معهم بأضرحتهم يتزاورون، ويتعاملون.

فهذا صاحب الكرامات، وهذا فاعل المعجزات، وهذا مبدي الآيات، وما يصدر عنهم إلا التُّرهات، فتنة النفوس، ونار المجوس، وكبرياء الرؤوس، وعوازل الحياة، وأوزار الأوزار، وأثقال الأحمال، يريدون أن يطفئوا نور الله، بأفواهم، في قلوبهم وقلوب العباد، من أهل الرشاد، والله متم نوره ولو كره الكافرون. يذكرون تراب اللاهوت، ويغمضون عيونهم عن وجه اللاهوت فيهم وبينهم معهم."

وتحت عنوان الجهل والجاهليه صـ 290- 291 من نفس الكتاب: "....فهذا مُعجب بنفسه حوله معجبون به، مفتونون فيه، بكشف الأسرار عند الآخرين، وهذا طيب برؤية الأوزار، عند الحاملين، وهذا مُعجب بما يكشف عن قديم أخيه، أو عن قادمه، في مهابطه ومراقيه، وهذا فخور بما أصبح فيه، إنه يخطو من مشارق الأرض إلى مغاربها فيه، ومن أوساط الأرض إلى أطارفها بسلطان نفسه فيه. وهذا يطير في السماء لمراقيه. وهذا يستطيع أن ينزل منها الماء بمعاليه. وهذا يفتح الكنوز بمغانيه. وهذا يهشم الرؤوس بقدرته فيه. وهذا يفرق بين المرء وأخيه. وهذا يجمع من يجمع على من يرتضيه، لزواج أو لفرقة فيه.

     أما الله.. أما الحق، فلا يعنيه، إن الحق عنده هو ما يراه فيه، من إمكانيات له بما يرضيه، أو يطغيه.".

(5) حديث شريف: "منْ شَغلهُ ذِكري عن مَسألَتي أعطيتُه أفضَلَ ما أُعطِي السَّائلينَ". المحدث: الزيلعي، المصدر: تخريج الكشاف، خلاصة حكم المحدث : صحيح.

(6)، (8) "...أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16].

(7) ،(9) "...هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ..."[الحديد 4].








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق