الاثنين، 11 مايو، 2015

الإسراء هو رحلة الإنسان على هذه الأرض، والمعراج هو تعبيرٌ عن رقينا ما بعد هذه الأرض



حديث الجمعة
 20 رجب 1436ه الموافق 8 مايو 2015م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
      الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: تدبروا آيات الله، واذكروا اسم الله، واعملوا عملاً صالحاً ـ بهذا تنجون في هذه الحياة، وتخرجون إلى عالم الحياة الأعلى، تعرجون معراجاً فوق معراج في سماء العلا، بلا نهاية في المعراج والارتقاء.
      إن في هذا الشهر العظيم الكريم المبارك، نَتذكَّر ما حدث لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من إسراءٍ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن معراجٍ من المسجد الأقصى إلى سماء العلا، إلى سماءٍ فوق سماء، إلى سدرة المنتهى. وهذا حدثٌ جلل، كشف الله لنا به آيةً من آياته، وقانوناً من قوانينه. وسيبقى هذا الحدث رسالةً دائمةً لنا فيما يحمله من معانٍ وإشاراتٍ وتوجيهاتٍ ومفاهيم كثيرة.
      حين نقرأ هذا الحدث، فإننا نقرؤه كرسالةٍ لنا اليوم، نحن لا نتحدث هنا عن كيف حدث، وعن الأقوال المختلفة في كيفية حدوثه وفي ملابساته، ومن قال كذا ومن قال كذا. نترك ذلك لمن يهتمون بالشكل والحرف والنقل، كما نترك لهم هذا الأمر في كل الحوادث والأحاديث التي وردت إلينا بأي صورةٍ من الصور.
      نحن نتأمل ونقرأ ما لا يقوله الآخرون. وهذا هو الفارق بين قراءة آيات الله بالقلوب، وبين قراءتها بالشكل والحرف. نحن لا نعترض على من يقرؤون بالشكل والحرف، فهذا شأنهم وهذا طريقهم، قد نستفيد منهم، وقد نتعلم مما يقولون. أما نحن فنقرأ في العمق، نفهم دلالاتٍ وإشاراتٍ من هذه الأحداث، ونُذكِّر أنفسنا بما تحمله الأحداث والآيات من معانٍ يمكن أن نتعلم منها.
      نحن حين نتأمل في الإسراء والمعراج، نُقَسِّم هذا الحدث إلى أمرين، إسراءٌ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذه رحلة الإنسان على هذه الأرض، كل الحركة على هذه الأرض، حياة الإنسان على هذه الأرض، طريق الإنسان على هذه الأرض، كيف ينتقل من حالٍ إلى حال.
      كيف ينتقل من قيامٍ فيه جهادٌ، فيه دعاءٌ، فيه محاولةٌ للقرب من مركز الحياة على هذه الأرض ليأخذ قوةً ونوراً يغير ما به من ظلامٍ إلى نور، ومن جهلٍ إلى معرفة، ومن كراهيةٍ إلى حب، ومن رفضٍ إلى رضاء، ومن صراعٍ إلى سلام، ومن ضيقٍ إلى فرج.
      فالمسجد الحرام، يرمز إلى قرب الإنسان من قبلة الحياة ومن بيت الله على هذه الأرض، كيف يكون الإنسان قريباً دائماً من هذه القبلة، بل أنه مطلوبٌ منه أن يكون قريباً من هذه القبلة حتى يُعِدَّ نفسه للانتقال من حالٍ إلى حالٍ آخر يُمَكِّنه من العروج. لذلك، كانت الإشارة إلى الإسراء من المسجد الحرام.
      فإذا أردنا أن نكون أهلاً لهذا المعنى، فعلينا أن نكون في المسجد الحرام دائماً. والمسجد الحرام بالنسبة لنا، هو القرب من مصدر الحياة. لذلك قال القوم: [لو غاب عني رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين](1). ولذلك أُمِرنا في صلاتنا أن نستقبل هذا البيت الذي وُضِع للناس، هذا البيت الذي يرمز إلى مصدر الحياة وإلى نور الله الذي أنزله إلى هذه الأرض.
      وهذا النور، هو كل من أرسل الله إلى هذه الأرض من رسلٍ وأنبياء وأولياء وعبادٍ لله صالحين، إنه نور الله على هذه الأرض. وقد خاطب رسوله الكريم: "...وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ..."[الأنعام 122]، ودعا رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وعلمنا أن ندعو: [اللهم اجعل لي نورا من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا](2)، و"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..."[النور 35].
      فكل جهاد الإنسان، هو في محاولته أن يكون في المسجد الحرام، وفي قربه مما ترمز القبلة له من معنى نور الله على هذه الأرض. كل ما نتعلمه ونجاهد من أجله هو أن نكون في هذا الحال. فإذا أصبحنا في هذا الحال، كنا أهلاً لأن يسري الله بنا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
      والإسراء هنا، هو معنويّ بالنسبة لنا، هو أن يأخذ الله بأيدينا وبنواصينا إلى طريق الصلاح والفلاح، وأن يُبلِّغنا مقاصدنا. ومقصدنا، أن نكسب أقصى ما يمكن أن نكسبه على هذه الأرض. فنحن نعلم أن [الدنيا مزرعة الآخرة](3)، وأن الدنيا دار تحصيل، وأن كل أعمالنا هي لنكون أهلاً لرحمة الله.
      ورحمة الله، أن يسري بنا مما نحن عليه، وقد أعددنا أنفسنا بقدر ما نستطيع، إلى أقصى نقطةٍ يمكن أن نصل لها على هذه الأرض. والأسراء هو تَفعيلٌ لرحمة الله التي تأخذ بنا من حالٍ إلى حال، وتنقلنا من حالٍ إلى حال، وتجعلنا أهلاً لمغادرة هذه الحياة وقد أخذنا قوةً تدفعنا دفعاً في حياتنا ما بعد هذه الأرض.
      والمعراج، هو تعبيرٌ عن رقينا ما بعد هذه الأرض من مستوى إلى مستوى، ومن حالٍ إلى حال، ومن سماءٍ إلى سماء. فنحن نقرأ في هذا المعراج في السماوات العلا، هو انتقالٌ من حالٍ إلى حال. فالمعراج، هو تعبيرٌ عما يكون عليه الإنسان، وقد أخذ هذه الدفعة الكبرى بأن كان أهلاً لرحمة الله، وكان أهلاً لأن يسري الله به، ويجعله حاملاً لقوةٍ تؤهله لأن يعرج به أيضاً فيما وراء هذه الأرض.
      ومعراجه، أن يصل إلى "..سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى"[النجم 15،14]، رمزٌ عما يمكن أن يصل إليه الإنسان وأن يصبح عليه، إنها أمرٌ غيبي. والرمز هنا، هي أنها الحال الذي به يحقق الإنسان كامل قدراته كإنسان، فيصبح ربانياً.
      [عبدي أطعني أجعلك ربانياً، تقول للشيء كن فيكون](4)، رمزٌ على وصولٍ إلى حالٍ مختلفٍ تماماً عن هذا الحال الأرضيّ، لا نعرفه، ولا نحيط به، ولا نوصفه، ولكننا نقول أنه حالٌ هو أعلى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان نتيجة وجوده على هذه الأرض، وما حصله عليها.
      والله أعلم بخلقه، وما سيكونون بعد ذلك من حالٍ أعلى وأعلى وأعلى، فالارتقاء في الله لا نهاية له. وكما قال القوم: [إن الطريق لله له نهاية أما أن الطريق في الله لا نهاية له]. وربما يكون ذلك تعبيراً عما نقوله اليوم.
      ما يهمنا الآن في حياتنا، أن نحاول أن نكون دائماً مستقبلين قبلتنا، أن نكون في المسجد الحرام بالمعنى وليس بالذات فقط، والمعنى هو الأهم. أن ننشغل دائماً بأن نكون على صلةٍ بقبلتنا، وكما قال العارف: [يا قبلتي في صلاتي إذا وقفت أصلى، جمالكم نصب عيني إليه وجهت كلي](5)، إنه يعبر عن هذا الحال الذي يؤهله لرحمة الله، ولأن يسري به الله لما أشرنا إليه.
      عباد الله: إنا لا نقول: أن ما نتأمل به وما نعبر به عن قراءتنا لدلالة الإسراء والمعراج أنه تفسيرٌ لهذه الحادثة. وإنما نقول: قراءةٌ نستفيد بما فيها، تساعدنا أن نفهم معنى أن نكون في المسجد الحرام، تساعدنا أن كيف نكون بالقرب من مصدر الحياة الذي يمدنا بنورٍ يساعدنا أن نتحول وأن نتغير إلى الأفضل والأحسن والأقوم، قراءةٌ تساعدنا أن نفهم أن حياتنا لها هدفٌ نريد أن نحققه، وهو أن نتعرض بحقٍ لنور الله الذي يجعلنا قادرين على أن نواصل حياتنا بعد هذه الأرض في ارتفاعٍ من سماءٍ إلى سماء.
      هذه قراءةٌ تمس القلوب، حتى إذا قَرَأت: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى..."[الإسراء 1]، يلمس قلوبها معنىً يساعدها ويُقوِّي إيمانها بمعنى وجودها وبمعنى حياتها وبمعنى مقصود وجودها على هذه الأرض.
      عباد الله: نسأل الله: أن نكون دائماً متدبرين في آياته لنا، قارئين لما تحمله من معانٍ حتى نكون أكثر صلاحاً وأكثر فلاحاً.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن نتدبر في آيات الله لنا، وأن نتدبر في الإسراء والمعراج كآياتٍ من الله، حُمِّلت هذه الآيات برسائل لنا، كلٌّ يقرأ بقدره، وكلٌّ يستقبل ما فيها بأهليته.
      فمنا من يرى أنها حادثة تاريخية يرويها بملابساتها، وبما نُقِل عنها من أحاديث رسول الله. ومنا من يظل يحقق فيما قيل، فيرى أن بعض ما قيل حقٌّ وصدق، وبعض ما قيل تَزوُّدٌ وكذبٌ على رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ. ومنا من يتأمل ويتدبر فيما تحمله هذه الحادثة الفريدة من رسالةٍ لنا نستفيد منها اليوم.
      لا نقول عنها أنها حدثٌ تاريخيّ، وإنما نتدبرها كأمرٍ إلهيّ، وآيةٍ إلهية تحمل لنا معانٍ لم يكن المقصود منها فقط أن تحدث في القديم، لأي علةٍ قد يراها البعض، وإنما نراها كرسالةٍ دائمة وكآيةٍ دائمة نتدبرها ونتأملها.
      وقراءتنا لهذا الحدث، هو يعبر عن مقصود حياتنا، وهدف قيامنا من رحلةٍ لنا على أرضنا، من حالٍ نحاول فيه أن نكون قريبين من مصدر الحياة لنا، إلى حالٍ أرقى نصل إليه برحمة الله، وبأن يسري الله بنا من حالٍ إلى حال، أن يأخذ بحالنا وبوجودنا من قيامٍ إلى قيام، نستطيع به أن نواصل حياتنا بعد أرضنا، من سماءٍ إلى سماء، ومن معراج إلى معراج.
      أمرٌ قد نتعلمه من آياتٍ أخرى، بل نتعلمه من كل ما جاء به الدين من معانٍ، ومن عباداتٍ، ومن توجيهاتٍ، ومن مقاصد للإنسان ووجوده على هذه الأرض. وإنما الذي نقرؤه هو تأكيدٌ لهذا المعنى، في حادثةٍ تتوافق مع معنى حياتنا ومعنى وجودنا.
      عباد الله: نسأل الله: أن تكون قراءتنا قراءةً تساعدنا في حياتنا، وفي سلوكنا، وفي كسبنا، وفي إعدادنا لأنفسنا لنكون أهلاً لرحمة الله ولنفحات الله، ولأن يأخذ الله بأيدينا وبنواصينا إلى الخير وإلى الصلاح وإلى الفلاح، وإلى أن نكون أهلاً لرحلة الحياة ما بعد هذه الأرض، رحلةٌ إلى الحق والحقيقة.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
___________________________

(1)  مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(2)  عن عبدِاللهِ بنِ عباسٍ؛ أنه رقد عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. فاستيقظ. فتسوَّك وتوضأ وهو يقولُ: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ"[آل عمران 190]. فقرأ هؤلاءِ الآياتِ حتى ختم السورةَ. ثم قام فصلى ركعتَينِ. فأطال فيهما القيامَ والركوعَ والسجودَ. ثم انصرف فنام حتى نفخَ. ثم فعل ذلك ثلاثَ مراتٍ. ستَّ ركعاتٍ. كلُّ ذلك يستاكُ ويتوضأ ويقرأ هؤلاءِ الآياتِ. ثم أوتر بثلاث. فأذَّنَ المُؤذِّنُ فخرج إلى الصلاةِ. وهو يقول "اللهمَّ! اجعلْ في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعلْ في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعلْ من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا. اللهمَّ! أَعطِني نورًا". الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(3)  يُصنف على أنه حديث موضوع، ولكن معناه يتوافق مع كثير من الآيات الكريمة منها:

-" فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ" [الزلزلة 8،7].

- "وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" [الصافات 39].

- "...هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ" [يونس 52].


(4)  أورد الشيخ بن عجيبة في كتاب إيقاظ الهمم في شرح الحكم أنه جاء في بعض الأخبار :"يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون".

(5)  أبيات من قصيدة لإبن الفارض.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق