الأربعاء، 24 يونيو، 2015

إذا كنت تريد القرآن هادياً لك، فلتكن من الصائمين



حديث الجمعة
 2 رمضان 1436هـ الموافق 19 يونيو 2015م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: تدبروا آيات الله، وتعرضوا لنفحات الله، وجاهدوا أنفسكم في الله، واستعينوا بالصبر والصلاة، "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..."[البقرة 185]، هذا الشهر الكريم الذي نزل فيه القرآن.
حين نتأمل في هذه الآية الكريمة، التي توضح لنا معنى نزول القرآن "...أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...". فالقرآن هدىً، القرآن هداية، القرآن طريق الهداية، القرآن طاقة ونور، القرآن بيِّنة، بيِّناتٍ، بيِّناتٍ كاشفة، تكشف للإنسان معنى الحياة، تكشف للإنسان طريق الهداية، تكشف للإنسان كيف يفرق بين الهداية والضلال، بين الحق والباطل، بين العلم والجهل، بين النور والظلام.
القرآن ليس مجرد كلمات أو آيات أو سور، القرآن طاقة نور، "لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ"[الواقعة 79]، لا يمسه إلا المحبون، لا يمسه إلا العاشقون. ولتكون من المطهرين المحبين العاشقين، فعليك أن تكون من الذين لأنفسهم يجاهدون. وجهاد النفس هو أمرٌ مطلوب، والصوم هو رمزٌ لذلك. "...فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..."، وشهود الشهر هو إدراك معناه، إدراك ما أُنزل فيه.
فإذا كنت تريد القرآن هادياً لك، تلمس معانيه، وتتعرض لآياته، وتكون أهلاً لنوره ـ فلتكن من الصائمين. وهذا هو الطريق كما رآه المتصوفون، المسلمون، المجاهدون، المحبون، العاشقون ـ وأدركوا أنك لتكون من هؤلاء، فعليك أن تجاهد نفسك لتلزم الباب، [إلزم الباب إن عشقت الجمالا](1)، وأن تكون من الذين لا يتقاعسون ولا ينامون، قلوبهم في يقظةٍ دائمة، [واهجر النوم إن أردت الوصالا](2).
فهجر النوم ليس هجراً شكلياً، فأنت كإنسانٍ لك جسدٌ على هذه الأرض في حاجةٍ إلى النوم لتستطيع مواصلة المسير على هذه الأرض، إنما هجر النوم يشير إلى يقظة القلوب الدائمة، وهذا ما نتدرب عليه في صومنا.
ففي الصوم، نكون في يقظةٍ دائمة لمعنى وجودنا الروحيّ والمعنويّ، فنعيش في الصوم بأرواحنا ونترك أجسادنا، فنكون في وصلةٍ دائمة، ولا يكون ذلك إلا سبباً لأن نعرف حقاً محبة الله، فنكون بحب الله محبين للحياة، محبين للهداية، محبين للنور، محبين للحق، محبين للعلم، [أدين بدين الحب أنَّى توجهت.. ركائبه، فالحب ديني وإيماني](3).
إنا نريد بصومنا أن نتغير، أن نتغير من حالٍ إلى حال، ومن قيامٍ إلى قيام. والتغير لا يعني أننا سوف نكون في حالةٍ غير هذه الحالة الإنسانية، فسوف نظل في هذه الصورة البشرية إلى أن نغادر هذه الأرض، وإنما الذي سوف يتغير فهو نظرتنا، وإدراكنا، وردود فعلنا.
سوف نستطيع أن نقرأ رسائل الله أكثر، وسوف نستطيع أن نعمل بما قرأناه أكثر، وسوف نستطيع أن نغير ما حولنا أكثر، فنكون أداة خيرٍ وهداية. فنكون بذلك في طريق القرآن، الذي أُنزِل "...هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ..."، نكون بذلك قادرين أن نتلقى ما في القرآن من بينات، نستطيع بها أن نميز بين الطيب والخبيث، بين الحق والباطل، بين النور والظلام.
[كان رسول الله خلقه القرآن](4)، كان قرآنا يمشي على قدمين، "...وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ..."[الأنعام 122]. ولنا في رسول الله قدوةٌ حسنة، أملنا ورجاؤنا أن نكون في ركابه، وأن نكون في سفينته، وأن نكون على طريقه، وأن نكون جزءاً مما كان عليه، وأن نكون نقطةً من نوره، وقبساً من نوره، لنكون قادرين أن نواصل* الهداية والفلاح والصلاح.
عباد الله: نسأل الله: أن يكون صومنا صوماً حقاً، وأن يكون هذا الشهر بدايةً لأن نتغير تغيراً صالحاً إلى ما هو أفضل، وإلى ما هو أحسن، وإلى ما هو أقوم.
عباد الله: إتجهوا إلى الله بقلوبكم وبعقولكم وبكل وجودكم، واستقبلوا قبلة الحق حقاً في صلاتكم، وأدركوا معنى الصوم في صومكم، لتكونوا في طريق العبودية لله، ولتكسبوا معنى الحياة.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نوضحه اليوم: هو مفهومٌ لنا في الربط بين هذا الشهر الفضيل وبين نزول القرآن ومعنى القرآن كما جاء في هذه الآية، "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...".
فالقرآن هو طريق الهداية، هو قوةٌ نورانية لمن يتعرض لها، ولمن يمس آياته بقلبه، ولمن يتقبل نوره بقلبه وعقله، ولمن يفهم ما فيه من معانٍ وإشارات تساعده في حياته وفي سلوكه، ليكسب معنى الحياة. والصوم هو إشارةٌ لهذا الطريق، الذي يتغير فيه الإنسان من حالٍ إلى حال.
من حالٍ لا يسمع فيه ولا يرى، إلى حالٍ "أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ..."[مريم 38]. من حالٍ لا يفقه آيات الله، إلى حالٍ يفقه فيه آيات الله ويتدبرها ويتأملها. من حالٍ لا يذكر فيه الله، إلى حالٍ أن يكون من "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ..."[آل عمران 191]، ويتدبرون في آيات الله، في خلق السماوات والأرض، ويدركون معنى "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
من حالٍ هم فيه نائمون، لا يدركون، ولا يبصرون، ولا يسمعون، ولا يعملون، ولا يذكرون ـ إلى حالٍ تكون قلوبهم يقظة وعقولهم يقظة، يسمعون، ويبصرون، ويغيرون، وقبل ذلك يذكرون ويتأملون، ويتدبرون.
كما قال القوم: [لو غاب عني رسول الله طرفة عين، ما عددت نفسي من المسلمين](5). هكذا تكون اليقظة، هكذا يكون هجر النوم، كل ذلك يؤدي بالإنسان إلى أن يكون في محبةٍ خالصةٍ لله، فيدرك معنى محبة الله، و* هكذا يكون الإنسان الصالح الذي يرجو لقاء الله.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون حقاً صائمين، وأن نكون للقرآن قارئين متأملين متدبرين، لنفحاته وجودنا معرضين، وأن نكون في صلاتنا لقبلتنا مستقبلين ولها حقاً مقيمين، لنتغير إلى حالٍ أفضل، نكون فيه يقظين غير نائمين، سامعين مبصرين لكل ما يدور حولنا، وأن نكون ذاكرين لكل ذلك في قلوبنا لنتغير إلى ما هو أحسن وأفضل.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا .
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا. 
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
______________________

(1)   ، (2) من أشعار الصوفية.

(3) من أشعار محيي الدين بن عربي.

(4)   "كان خلقه القرآن" حديث صحيح، الراوي: عائشة، المحدث: الألباني.

(5)    مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

* كلمات غير مسموعة بالتسجيل.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق