الاثنين، 20 يوليو، 2015

لا يجب أن ننتظر حالاً أو صورةً أو شكلاً نتصوره لمعنى أن نكون صادقين في علاقتنا بالله



حديث الجمعة
 16 رمضان 1436ه الموافق 3 يوليو 2015م

السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه، "...الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43].
عباد الله: إنا نُذكِّر أنفسنا في هذه الأيام بمعنى التعرض لنفحات الله، بمعنى ذكر الله، بمعنى مجاهدة أنفسنا، معانٍ كثيرة نُذكِّر أنفسنا بها حتى نذكرها، حتى تكون هي ذكرنا وشاغلنا، تشتغل بها أفكارنا، وتَذكُر بها قلوبنا، وتعمل بها أجسادنا.
والصوم، يتحقق فيه الذكر بالعقل وبالقلب وبالجوارح. بل أن الجوارح تبدأ هذا الذكر بامتناعها عن الطعام والشراب، والذي يؤدي بالإنسان أن يخفف من تثاقله إلى الأرض، فيبدأ قلبه منشغلاً بذكر الله، ويبدأ عقله متفكراً في آلاء الله، فينشغل وجوده كله بذكر الله. وبالمداومة على هذا الذكر، يدخل الإنسان في مرحلة حب الله وعشق الله، يدخل في مرحلةٍ لا يشهد فيها إلا الله.
وكما قال المتصوفة: [أحبك حبين، حب الهوى وحباً لأنك أهلٌ لذاك. فأما حب الهوى، فانشغالي بذكرك عما سواك. أما الحب الذي أنت أهلٌ له، فأن لا أرى الدنيا حتى أراك.](1). هكذا عبر القوم عن علاقتهم بالله.
ولا تكون هذه العلاقة ولا تقوم هذه العلاقة، إلا بالمداومة على ذكر الله، ذكرٌ متصلٌ يستحضر فيه الإنسان كل هذه المعاني. وهذا ما عبر عنه القوم أيضاً بقولهم: [لو غاب عني رسول الله طرفة عين، ما عددت نفسي من المسلمين](2). الانشغال الدائم بذكر الله في كل أمرٍ من أمور الحياة.
نحن حين نقول ذلك، فإننا لا نعني فقط أن يذكر الإنسان بلسانه، أو أن يختلي فيذكر بقلبه ويفكر بعقله، وإنما نقصد أيضاً، أن يكون ذكرنا في كل تعاملاتنا، في كل معاملاتنا، في كل أعمالنا. فاستحضار معنى التعامل مع الله، يجعل كل فعلٍ تقوم به هو ذكرٌ يقربك إلى هذا الحال، ويؤهلك لأن تكون أهلاً لنفحات الله ولوصلة الله.
لا يجب أن نتخيل صورةً نرسمها لمعنى العلاقة مع الله، كما يصفها الصوفية في أشعارهم وقصائدهم، فهذا حالٌ جميل إن عشناه وإن قمناه، فهذا فضلٌ من الله، ولكن يمكن أن يكون حالنا مختلفاً، فنشعر بالله في كل معاملاتنا وفي كل أعمالنا، وهذا أيضاً انشغالٌ بذكر الله، لا يجب أن ننتظر حالاً أو صورةً أو شكلاً نتصوره لمعنى أن نكون صادقين في علاقتنا بالله.
وإنما علينا أن نبدأ في كل لحظةٍ نعيشها بدءاً جديداً نرى فيه علاقةً لنا في الله، نرى فضل الله فيما أنعم به علينا، وكرم الله فيما جاد به علينا، وتوفيق الله فيما يسر لنا من أمورنا، ورحمة الله في عفوه عن زلاتنا وأخطائنا وذنوبنا وغفلتنا، فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، نطمع دائماً في عطائه بلا حدود، وفي رحمته بلا قيود، وفي مغفرته في كل وقتٍ وحين.
نُذكِّر أنفسنا بكل ذلك في هذه الأيام التي نعيشها، والتي نأمل أن يكون مخبرها كما هو مظهرها، فإن كنا في ظاهرها نتخلى عن شهواتنا وعن ذواتنا تلبيةً لنداء الله، فإنا نرجو أن نكون بقلوبنا كذلك، وبعقولنا كذلك. أملنا في الله كبير، وطمعنا في الله عظيم، وأملنا أن يأخذ بأيدينا وأن يجعلنا عباداً له خالصين، وعباداً له صالحين.
نريد أن نقوم حقاً في ليلة القدر في هذا الشهر العظيم، أن نعيش لحظةً وليلةً هي "...خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ"[القدر 3]، نعيش ليلةً بحياتنا كلها، بعمرنا كله، ننطلق فيها بأرواحنا، ونستقبل فيها الروح العظيم، "تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ"[القدر 4]، أن نكون أهلاً لاستقبال هذه الفيوضات، وهذه الرحمات، وهذه المعاني الروحية المعنوية النورانية الحقية الإلهية ـ أن نكون أهلاً لذلك حقاً.
نريد ونأمل ونطمع ونسأل أن يكون هذا الشهر وما قمنا فيه من معانٍ، ومن مجاهداتٍ، ومن صلاةٍ وقيامٍ وذكرٍ وطلبٍ ـ نريد أن نحصل بذلك على طاقةٍ تجعلنا نبدأ حياتنا حياةً جديدة، فيكون عيدنا هو بدءٌ لهذه الحياة الجديدة، التي نعيش كل لحظةٍ فيها على أرضنا ونحن نذكر الله، ونسأل الله، ونطمع في رحمة الله، وإذا شهدنا لا نشهد إلا الله، وإذا سألنا لا نسأل إلا الله، وإذا توكلنا لا نتوكل إلا على الله. هذا ما نرجوه، ونطلبه، وندعوه.
فنسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا أهلاً له، وأهلاً لرحماته ونفحاته.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن نعبر عما نشعر به أن يكون طلبنا في هذا الشهر الكريم ما نريد أن نكون عليه من تغييرٍ إلى الأفضل والأحسن والأقوم، بأن نُوفَّق في مجاهدتنا لأنفسنا، لنذكر حقاً بقلوبنا، ولنتفكر حقاً بعقولنا، فنكون ذاكرين بكلنا، بكل وجودنا ـ فنتحول من متثاقلين إلى أرضنا إلى منطلقين في معراج سمائنا، ومن مظلمين بكثيف وجودنا إلى منيرين بلطف أرواحنا، ومن ناقصين غير قادرين على إكمال مسيرتنا إلى كاملين نستطيع مواصلة حياتنا الروحية والحقية.
وهذا طمعنا دائماً ورجاؤنا ودعاؤنا وهدفنا، إن لم نحققه اليوم، نأمل أن نحققه غداً، وأملنا في الله كبير. إنما رجاؤنا ودعاؤنا أن نكمله قبل مغادرتنا لأرضنا، لنكون قد كسبنا حياتنا وكسبنا كرتنا، فنكون في معراج لا إله إلا الله، عارجين من سماءٍ إلى سماء، ومن مقامٍ إلى مقام، ومن حالٍ إلى حال .
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .
اللهم لاتجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا .
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.



 __________________

(1)  من أشعار رابعة العدوية:

أحبـــك حـبـيــن حـب الهـــــوى                                وحــبــــاً لأنـــك أهـــل لـــذاك
فــأما الــذي هــو حب الهــــوى                                 فشـغلـي بـذكـرك عـمـن سـواك
وأمـــا الـــذي أنــت أهــلٌ لــــه                                 فكـشـفـك للـحـجـب حـتـى أراك
فـلا الحـمد فـي ذا ولا ذاك لـــي                                 ولـكـن لك الـحـمـد فـي ذا وذاك

(2)  مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق