السبت، 24 ديسمبر، 2016

هناك فرق بين الدين بمعناه المطلق كقانون الحياة، وبين مفهوم كل فرد منا في الدين

حديث الجمعة
 17 ربيع الأول 1438هـ الموافق 16 ديسمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّ كلّ عصرٍ تختلط فيه المفاهيم، وتتعدّد الاتّجاهات، وينقسم النّاس إلى فئات ـ وهذه سُنّة الحياة ـ من اختلافٍ واتّفاق، كلٌّ يؤيّد دينه، كلٌّ يؤيّد مذهبه، كلٌّ يؤيّد اعتقاده، ولا بأس في ذلك، إذا كان يحترم ما يعتقد الآخر. والمشكلة الكبرى هي أنّ كلّ فريقٍ يريد أن يفرض رأيه ورؤيته بظنّ أنّ ما يعتقده هو الدّين وهو الحقّ.
وما دام يعتقد أيّ فريقٍ أن الدّين هو ما يراه، ويتصوّر أنّ هناك ما يمكن أن يكون ديناً مطلقاً لا غيره، محدّد الاتّجاهات، محدّد الشّكل والصّورة ـ فسوف يؤدّي ذلك إلى مشكلةٍ كبيرة. وهذا ما نراه فيمن يغالون في دينهم، إذ أنّهم يرون الآخرين كلّهم ليسوا على دين وليسوا على عقيدة.
والذي نراه اليوم أنّ كثيراً من النّاس بدأوا يتفهمون الفارق بين الدّين كمعنىً مطلق، وبين مفهوم الإنسان في الدّين كمعنىً مقيّد.
الدّين الواحد، القانون الواحد، هو أمرٌ تجريديّ، هو قانون الحياة، هو حكمة الله في خلقه، هو القانون الحاكم لكلّ هذا الكون بظاهره وباطنه، وهذا القانون هو قانونٌ واحد، ولكنّنا بوجودنا لا نستطيع أن نحيط بهذا القانون الواحد؛ لأنّنا جزءٌ من هذا القانون، ولا يستطيع الجزء أن يحيط بالكلّ، ولا يستطيع المُحاط أن يحيط بالمحيط، "...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء..."[البقرة 255].
فإذا نظرنا إلى حياتنا الماديّة المنظورة لنا، فإنّنا لا نعرف إلّا القليل، بل أنّ هناك أشياءً كثيرة على هذه الأرض لا نعرف قانونها، ولا كيف تعمل، ولا كيف تؤثّر فينا، ولا نعرف إلّا آثارها التي تنتجها.
قد يُكوِّن إنسانٌ نظريّةً ما عن كيفيّة عملها، فيمكن أن نقول عن ذلك أنّه مفهومه عن كيفيّة عملها وتأثيرها. وقد يكون إنسانٌ آخر لديه مفهومٌ آخر ونظريّةٌ أخرى، وهذا ما نراه في علومنا الماديّة، في أمورٍ يمكن أن نراها بأعيننا أو بوسائل مساعدة، ونستطيع أن نختبرها، وأن نجري التجارب عليها، ومع ذلك يصل كلّ عالمٍ إلى تفسيرٍ مختلف، فما بالنا بأمورٍ هي غائبةٌ عنّا، تحتمل تفسيراتٍ مختلفة.
فلذلك، نرى في تاريخنا هذا التعدّد في تفسيرات كثيرٍ من المجتهدين، بل أنّنا إذا أدركنا أكثر لوجدنا أنّ كلّ إنسانٍ يختلف عن الآخر في معتقده، وهذا ما نقوله دائماً، أنّ كلّ إنسانٍ هو عالمٌ قائمٌ بذاته، له مفرداته، وله صفاته، وله قدراته، وله إمكاناته. والحقّ يقول لنا ذلك: "...لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا..."[البقرة 286]، فكلّ نفسٍ لها وسعها ولها قدرتها، بل أنّ كلّ إنسانٍ له دينه وله معتقده، "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"[الكافرون 6].
وعلى ذلك أصبح الإنسان هو المسئول عن وجوده، "...لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..."[الأنعام 164]، [كلّكم راعٍ، وكلّكم مسئولٌ عن رعيته](1)، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]،  هذه المسئوليّة الإنسانيّة هي التي تجعل كلّ إنسانٍ يفكّر ويتدبّر ويقرّر ما يجب أن يكون عليه.
فالدّين هنا بما أرسل من رسائل ورسالاتٍ سماويّة، يعلّمنا هذه الحقائق الأساسيّة، مسئوليّة الإنسان، قدرة الإنسان، تفعيل ما أعطى الله الإنسان. فإذا نظرنا إلى كلّ الآيات سوف نجدها أنّها تعلّمنا ذلك، فتصف لنا ما يجب أن يفعله الإنسان في أن تضرب مثلاً بـ "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191].
توضّح لنا هذا الأمر الذي قد نصل إليه بفطرتنا؛ لأنّ من الفطرة أنّك سوف تصل إلى حالٍ أنّك لا تعرف أسباب هذا الكون ووجوده. حين تنظر في خلق نفسك وفي خلق هذا الكون، سوف تشعر بذلك، ممّا سيجعلك تتّجه إلى الغيب، وهذا معنى "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ...".
سوف لا تجد أمامك من يرشدك، لن تجد إجابةً لوجودك وحكمة وجودك، فستظلّ تذكر الله، بمعنى أنّك ستظلّ تسأل من أنا؟ وكيف أنا؟ ولماذا أنا؟ ومن تسأل إلّا خالقك، هذا ذكر الله، أنّك تشعر بدوام افتقارك وبدوام جهلك، فتبحث دائماً عن المعرفة بالذّكر المتواصل.
وسوف تصل أيضاً أنّك مع ذلك، أنت موجودٌ على هذه الأرض، وترى أشياءً حولك، ترى خلق الله في كائناته على هذه الأرض وفي السماوات حولك، فيما تشهده فيها، فتتفكّر بالطّبيعة والفطرة في كلّ هذه الأشياء، كيف تتعامل مع كلّ ما ترى على هذه الأرض، كيف يساعدك ما خلق الله على هذه الأرض في حياتك، في مأكلك ومسكنك، في ملبسك، في حركتك، في علاج أمراضك، في التّواصل مع إخوانك ـ فتكون كلّ العلوم الأرضيّة.
تتفكّر في هذه المجرّات التي أصبحت تستطيع أن ترى جزءاً منها بما خلقت وصنعت من آلاتٍ تمُكّنك من ذلك، لترى تأثيرها عليك، ولتدرس حركتها وحركة الأرض التي تعيش عليها، فتتعلّم أشياءً من كلّ هذا، وقد تخرج بنظريّاتٍ عن وجود هذه الأرض وعن خلق هذا الكون؛ لأنّك تريد أن تفهم فيما هو ظاهرٌ لك.
ولكنّك لا تستطيع أن تجزم بأيّ نظريّةٍ أنّها الحقّ المطلق، مع أنّ عندك من الدلائل ما يشير إلى إثبات هذه النظريّة، إلّا أنّه مع الوقت قد ترى أموراً أخرى. وما تفعله هو مصداقاً لقوله تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، فهذا توجيهٌ من الحقّ بأن يحاول الإنسان أن يبحث عن الحقيقة في كلّ شيء، عمّا يستطيع أن يعرفه في أيّ صورةٍ ظاهرةٍ له، وهذا أمرٌ مستمرّ.
فهكذا تصبح حياتك هي محاولةٌ دائمةٌ للفهم، وهذا ما يُطلَق عليه العلم النّظريّ، أنّك تريد أن تفهم ما يحدث في هذا الكون وعلى هذه الأرض. فمع البعد الغيبيّ الذي يجعلك تشعر بضآلتك وعدم قدرتك على فهم وجودك من النّاحية الغيبيّة، ولحكمة وجودك من الناحية المطلقة ـ فإنّ ذلك لا يمنعك أن تبحث عن حكمة وجودك من النّاحية المقيّدة، فيما تبحث عنه على أرضك.
لذلك كانت كلّ الآيات هي تعبيرٌ عن مبادئ أساسيّة، وعن مناهج تفاعليّة. فإذا جئنا إلى الجزء الخاصّ بالتّفاعل مع من حولك، كان المنهج القرآني "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64]. فهنا المنهج قائمٌ على معنى أنّنا كبشرٍ لا نستطيع أن نحيط بالله.
وعبادة الله في هذا السّياق معناها أيضاً، أو يمكن أن نفهم منها، أنّ هناك أعلى لا نستطيع أن نصل إليه أو أن نحيط به، فإذا كان عندك أي تصوّرٍ عن هذا الإله، عليك أن تنزّه الله عن ذلك. "...أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ..."، أن ننزّهه عن أيّ صورةٍ، وعن أيّ شكل في النّاحية الغيبيّة، فلا نقول أن عندنا إلهٌ أفضل من إلهكم، أو أننا نعبد ربّاً أفضل من ربّكم، فليس هناك إلّا ربٌّ واحد، وإلهٌ واحد. فالله هنا يرمز إلى هذا الربّ وإلى هذا الإله الذي "...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ..."[الشورى 11].
لا نقول هنا أنّ عليكم أن تصلّوا كما نصلّي، أو أن تأكلوا كما نأكل، أو أن تلبسوا كما نلبس، أو أن تتزوّجوا كما نتزوّج، أو أن تدفنوا موتاكم كما ندفن ـ ليس هذا هو الحديث بين النّاس مع اختلافهم، إنّما الحديث هو الكلمة السّواء، هو التّواصي بالحقّ والتّواصي بالصّبر، هو الحديث بالتي هي أحسن، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..."[العنكبوت س46].
والأحسن هو ما هو أحسن لنا على أرضنا، وفي وجودنا، وفي غيبنا. وما هو أحسن لنا بالنسبة للنّاحية الغيبيّة، هو ألّا نجسّد صورةً أو شكلاً. الأحسن أن يكون لكلّ إنسانٍ ما يعتقده وما يؤمن به، ولا ندخل في عراكٍ أو في صراعٍ أو في حربٍ، بسبب معتقدٍ غيبيّ. فإذا اختلفنا، لا نتعارك بسبب أيّ شيءٍ من هذا، وإنّما نقول: الله يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة*، بمعنى أن نردّ الأمر إلى الله، ولا يدّعي أحدنا أنّه هو الذي يعرف الحقيقة المطلقة.
والرسّالات السّماوية وما جاءت به، ما هو إلّا مبادئ ومقاصد ومناهج للّتعامل في كلّ أحوال حياتنا. ما جاءت لتضع لنا صوراً جامدة، أو أوامر جامدة، أو معاملاتٍ جامدة ـ إنّما جاءت لنا لتوضّح منهجاً نستطيع أن نسير عليه في تعاملنا مع أنفسنا، وفي تعاملنا مع الآخرين، وفي كيفيّة تناول حقائق الحياة التي نراها أمامنا.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من الذين يتفهّمون دينهم حقّاً، ومن الذين يرجون ربّهم حقّاً، ومن الذين يلجأون إليه ويتوكّلون عليه.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو كيف نتعامل مع الدّين في حياتنا، وأن نفرّق بين مفهوم كلّ فردٍ منّا في الدّين وللدّين، وبين الدّين بمعناه المطلق الذي هو قانون الحياة، والذي هو قائمٌ أردنا أو لم نرد، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93]، فهو القانون الفاعل في الظّاهر والباطن، في الدنيا والآخرة، في الأرض وفي السماء.
ونحن لا نعرف إلّا القليل القليل، وبما نعرفه نستطيع أن نتطوّر إلى الأفضل والأحسن والأقوم، إن استخدمنا كلّ طاقاتنا لنكون أداة خيرٍ لأنفسنا وللنّاس حولنا، ولا نعلم ما سنكون عليه وما سنصل إليه، وإنما نسلّم أمرنا إلى الله، ونحن نعرف أنّ تسليمنا ما هو إلّا إقرارٌ بواقعٍ سوف نصل إليه؛ لأنّ قانون الحياة نافذٌ على كلّ إنسانٍ.
ونعلم أنّ من قوانين الله أن يرحمنا، وأن يرفق بنا، وأن يأخذ بأيدينا، وأن يغفر لنا، وأن يساعدنا، وأن يشدّ أزرنا، نفوّض إليه أمرنا، ونوكل إليه حالنا، لا ملجأ لنا منه إلّا إليه، هو الذي يأخذ بأيدينا. قانونه أن نلجأ إليه وأن ندعوه وأن نطلبه، "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، "...فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ..."[البقرة 186]، فلندعُ الله أن يجعلنا له خالصين، ولوجهه قاصدين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونفوّض أمورنا إليك، لا ملجأ لنا منك إلّا إليك.
        اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.                                       
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنّا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    
__________________________

(1)     جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.


* "اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"[الحج 69].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق