الجمعة، 2 ديسمبر، 2016

الصّوم يعبّر عن حال الاتّزان في حياة الإنسان

حديث الجمعة
 5 رمضان 1437هـ الموافق 10 يونيو 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
عباد الله: إنّ الدّين هو واقع الحياة، هو واقع الإنسان على هذه الأرض، وقد خلق الله الإنسان وأوجد فيه سرّه وفطرته، وأوجد فيه ما يُمَكِّنه من التعامل مع ما يحدث له على هذه الأرض، سواء كان هذا الذي يحدث له هو أمرٌ ماديٌّ بحت أو أمرٌ فيه شقٌّ غيبيّ. وقد تعلّم الإنسان على مرّ العصور كيف يتعامل مع بيئته ومع الوسط المحيط به.
وكذلك، أوجد الله في الإنسان ما يُمَكِّنه من أن يتعامل مع ما يحدث له من أمورٍ تحزنه وتصيبه بالألم، فجعله قادراً على أن يتغلّب على هذه الأمور بما أوجد فيه من آليّةٍ في عقله تُمَكِّنه من ذلك.
فبناء الجسد فيه من أسرار الله ما يُمَكِّن الإنسان من أن يعيش على هذه الأرض، وما يجعله يحبّ حياته ويتمسّك بها ويدافع عنها. وقد يزداد حبّه فينسى آخرته. وقد يعتلّ جسده فلا يستطيع أن يعيش على هذه الأرض ويريد أن يغادرها.
هناك حالةٌ بإنسانٍ متثاقلٍ إلى هذه الأرض بكلِّه. وهناك حالٌ لإنسانٍ لا يستطيع أن يمارس حياته لاعتلالٍ في جسده، فيكون رافضاً لهذه الحياة. وهناك حالٌ وسط، إنسانٌ يحبّ هذه الحياة ولا ينسى حياته الأخرى، يعمل على هذه الأرض ويستطيع أن يتعامل مع ما يصيبه، وفي نفس الوقت يتّجه إلى السّماء وإلى حياته ما بعد هذه الأرض بفهمٍ وبقلبٍ منيرٍ مدركٍ لمواصلة الحياة، وهذا هو الاتّزان الذي نطلبه، لما نراه من توافقٍ بين حياة الإنسان الماديّة وحياة الإنسان الروحيّة.
وهذا ما نجده في آياتٍ كثيرة تذكّرنا بذلك، تذكّرنا بإقامة الميزان، "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"[الرحمن 7:9]، والميزان هنا له أبعادٌ كثيرة.
هناك بعدٌ خاصٌ بالإنسان، هذا الذي تحدّثنا عنه، أن يكون فاعلاً على هذه الأرض، وأن يكون غير متثاقلٍ إليها، أن يكون ذاكراً الله في وجوده على هذه الأرض في كلّ أعماله، وأن يكون أيضاً متّجهاً إلى الله بروحه وقلبه وعقله طالباً القوة والمدد والرحمة.
والميزان أيضاً له بعدٌ في تعامل الإنسان مع الآخرين. فيجب أن يكون الإنسان متّزناً فيما يعطي وفيما يأخذ، "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3:1]. فهنا، بعدٌ في التعامل على هذه الأرض مع كلّ الكائنات القائمة عليها.
حين ننظر إلى الصّوم، فسوف نجد أنه يعبّر عن حال الاتّزان في حياة الإنسان. فالصّوم يعلّم الإنسان ألّا يكون متثاقلاً إلى هذه الأرض، فهو يخفّف من أحماله وأوزاره بامتناعه عمّا يجذبه إلى هذا الكوكب، وفي نفس الوقت لا يبتعد عن معيشته ومعاملاته الدنيويّة.
عليه أن يعمل وأن يبذل جهده وهو صائمٌ، لا يتكاسل، ولا يبتعد عن أن يخدم الآخرين، وأن يؤدّي عمله وأن يتقنه. هذا تعبيرٌ منسكيّ عن هذه الرسالة التي نتحدّث عنها، وهو أنّه يعيش على هذه الأرض ولا يتثاقل إليها.
وكما نذاكر دائماً، أنّ كلّ المناسك هي رسائلٌ من الحق تعلّمنا كيف نعيش واقعنا؛ لأنّ هذا هو ما هو مشهودٌ لنا، نحن لا نستطيع أن نجيب على أسئلةٍ غيبيّة. لا نستطيع أن نجيب بصورةٍ مطلقة عن حكمة خَلْقنا، ولكنّنا نستطيع أن نجيب عن ماذا يجب أن نفعله اليوم، أن نفعله في حاضرنا؟
بل أنّنا حين نستمع إلى الآية: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ"[الذاريات 56]، فإنّنا لا نستطيع أن نفهمها إلّا في إطار واقعنا. فنحن لا نستطيع أن نحيط بما وراء هذا الكون المشهود. لذلك، كانت عبادتنا لله هي في إدراكنا وتعلُّمنا لما هو مشهودٌ لنا، من قانونه، ومن حكمته، ومن أسباب الحياة. فعبادة الله، هي في العلم عمّا يستطيع الإنسان أن يفعله على هذه الأرض. ومن هذا التعريف ننطلق إلى أشياءٍ كثيرة.
يحتوي ذلك أنّ الإنسان يستطيع أن يذكر الله، بمعنى أن يدعوه كغيب، بمعنى أن يستحضر وجوده كغيب، [أنا جليس من ذكرني](1)، "فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ"[البقرة 186]، "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"[غاقر 60]، [من تقرّب إلي ذراعاً تقرّبت إليه باعاً](2)، [أنا عند ظن عبدي بي، إن خيراً فخير وإن شراً فشرّ](3).
فهنا الاستحضار بمعنى الدّعاء، بمعنى الطلب، بمعنى الصَّلاة، بمعنى الصِّلة، بمعنى الوصلة ـ هذا تستطيع أن تفعله، تستطيع أن تتّجه إلى القبلة وتطلب صلةً، وتطلب تغييراً، وتطلب أن تأخذ نوراً وتُخرِج ظلاماً، تأخذ علماً وتُخرِج جهلاً، تأخذ حقّاً وتُخرِج باطلاً. إذاً، وأنت تقوم بهذه العبادة أو بهذا الشكل من العبادة، أنت تقوم فيما تستطيع أن تفعله.
الناس قد تقْصِر فهم العبادة على هذا الأمر فقط، ولكن ما تستطيع أن تفعله هو أكثر من ذلك، إنّك تستطيع أن تبحث وأن تتعلّم ما هو قائمٌ على هذه الأرض، إنّك تستطيع أن تبني وأن تعمِّر، وأن تزرع، وأن تصنع، وأن تعالج، وأن تُعلِّم، وأن تتواصل، وأن تدعو وأن تتواصى، وأن تدعو إلى الخير، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. إنّك تستطيع الكثير.
لذلك، نجد الآية التي تعلّمنا ذلك وتوضّح لنا الأمرين: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ..."[آل عمران 191]، فهذا شكلٌ من العبادة يستطيع الإنسان أن يفعله، أن يذكر وأن يدعو ـ كما أشرنا ـ وأن يكون هذا قائماً معه في كلّ لحظة. لذلك كان: "... يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ...".
والشقّ الآخر هو ما تستطيع أن تفعله في هذا العالم المشهود، "... وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..." [آل عمران 191]. والتفكُّر هنا، هو البحث، هو المعرفة، وما يستتبع ذلك من أعمالٍ يستطيع الإنسان أن يقوم بها بعد أن يعلم. وخلاصة ذلك: "... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ..."[آل عمران 191]، ما خلقت لنا هذا الكون باطلاً، ما خلقتنا باطلاً، ما خلقت قدراتنا باطلاً، ما خلقت أسباب الحياة باطلاً.
"... فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191]، حين نتأمّل في هذا الدّعاء الذي يتلو "مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً"، فإنّ هناك شيءٌ وراء هذا، أنّ الإنسان قد يفكّر أنّ الله قد خلق هذا باطلاً. وما معنى أن يفكّر الإنسان كذلك؟ يفكّر ألّا معنى للحياة، لا معنى لوجوده، لا معنى لعمله، لا معنى لحياته، لا معنى لمعاملاته، لا معنى لأيّ شيء.
هناك الكثيرون يفكّرون كذلك، يفكّرون أنّهم جاءوا إلى هذه الأرض وسوف يخرجون منها ولا معنى لوجودهم، فقِنا أن نكون كذلك؛ لأنّنا إذا كنّا كذلك وفرّطنا في أمر وجودنا وفي أمر حياتنا، فلا يكون لنا وجود، بل أنّنا سوف نكون لا معنى لوجودنا بحقّ، فيكون مصيرنا أن نكون وقوداً لنارٍ "... وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ..."[البقرة 24].
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، وأن نكون من "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ...".
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نشير إليه اليوم، في يومنا هذا وفي وقتنا هذا وفي شهرنا هذا: أن نربط بين الصّوم وما يحمله من رسائل، وبين واقعنا الذي نعيشه، وبين معنى: "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ"[الذاريات 6]، كيف يكون واقعنا هو ديننا.
واقعنا أنّنا نعيش على هذه الأرض، لنا متطلباتٌ من طعامٍ وشرابٍ ومسكنٍ وملبسٍ، وعلينا أن نسعى في الأرض، وفي نفس الوقت ندرك أنّ وجودنا على هذه الأرض هو وجودٌ مؤقت، فنتّجه إلى خالقنا بالذّكر وبالدّعاء ليعيننا في قيامنا على هذه الأرض التي ما خُلِقت باطلاً، ولا خُلِقنا نحن باطلاً، وكلّ لحظةٍ نقضيها على هذه الأرض يمكن أن تُكسِبنا طاقةً نواصل بها حياتنا، ويمكن أن نخسر بها طاقةً نخسر بها حياتنا في الدنيا وفي الآخرة.
فعملنا وقيامنا وسعينا وذكرنا قبل كلّ ذلك، هو ما يساعدنا على أن نواصل حياتنا، وفي نفس الوقت نكون غير متثاقلين إلى ماديّ وجودنا، وهذا ما نراه في منسك الصّوم الذي يجعلنا ندرّب أنفسنا أن نبتعد عن شهواتنا، فلا نكون متثاقلين إلى هذه الأرض، نعيش بأرواحنا ملبّين داعين ذاكرين فيما نفعله في حياتنا الماديّة وما نفعله بصيامنا وامتناعنا عمّا يجعلنا نتثاقل إلى أرضنا.
فهذه رسالةٌ لنا لنكون كذلك في كلّ حياتنا، نبذل كلّ طاقاتنا التي أعطانا الله لنخدم بها على هذه الأرض، وفي نفس الوقت نتّجه إلى الله دائماً في صلواتنا وفي دعائنا وفي أذكارنا بأن نكون أهلاً لنفحاته ورحماته.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يساعدنا لنكون عباداً له خالصين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
___________________________

(1)    (أوحى الله تعالى إلى موسى، أتحب أن أسكن معك بيتك؟ فخر لله ساجدا ثم قال: فكيف يا رب تسكن معي في بيتي، فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني) ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر (ضعيف).

(2)  يقول الله تعالى :" أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " الراوي: أبو هريرة ، المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري.

(3)  يقول الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدى بى ، إن ظن خيراً فله ، وإن ظن شرا فله. أخرجه أحمد ابن حنبل (الجامع الصغير للسيوطي ج2 ص82).



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق