الأحد، 15 يناير، 2017

دورة سلوك الإنسان بين العقل والاختيار والمعاناة

حديث الجمعة 
8 ربيع الآخر 1438هـ الموافق 6 يناير 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاة وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحقّ لكم، يخاطبكم، يرشدكم، يعينكم، يقوّي عزائمكم، يشدّ من أزركم، يحدّثكم دائماً في كلّ ما يدور حولكم، كما حدّثكم فيما جرى على أرضكم، وسيظلّ حديث الحقّ موجوداً على هذه الأرض مادامت السّماوات والأرض.
ودورنا جميعاً أن نستمع إلى حديث الحقّ، وأن نشهد ما يحدث من أحداثٍ هي حديثٌ للحقّ أيضاً، وأن نتعلّم من آيات الله الخالدة الدّائمة في كتابه الكريم ما يجعلنا أكثر صدقاً، وأكثر قدرةً على التّعرّض لهذه النّفحات، ولهذه الآيات، ولهذا الحديث الدّائم لنا على أرضنا.
إنّ هذه المحاولة من الإنسان ليتدبّر بعقله، وليختار بقلبه، وليجرّب بذاته ـ هي طريق الحقّ والحياة. وقد علّم الله آدم الأسماء كلّها، وكان الإنسان هو مظهر آدم، وهو في معنى الآدم على هذه الأرض، "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30].
فكان الإنسان خليفة الله على الأرض بما علّمه، وبما أوجد فيه من قدرةٍ على التّعلّم، وهذا ما ميّز الإنسان عن كلّ الكائنات الأخرى ـ قدرة الإنسان على التّعلّم، وعلى تغيير بيئته المحيطة به، وقدرته على الاختيار، وأن يوجد البدائل التي يختار منها، وعمّا أوجد الله فيه أيضاً من قدرةٍ على الإحساس بما يدور حوله.
فالإنسان يتألّم، والإنسان يسعد، والإنسان يغضب، والإنسان يرضى، والإنسان يحبّ ويكره، ويعطي ويمنع، له أحوالٌ كثيرة، يشعر بمعاناة النّاس ويعاني هو أيضاً، ويستطيع أن يُسعِد النّاس ويستطيع أن يُسعِد نفسه أيضاً، ويستطيع أن يُغضِب النّاس وأن يُغضِب نفسه أيضاً.
لذلك، كانت دورة حياة الإنسان تدور في قدرته على التفكّر والتّأمّل، وفي قدرته على الاختيار، وفي قدرته على الإحساس بأحواله وأحوال الآخرين من حوله، وفي التقلّب بين الأحوال المختلفة، وفي اختيار أحوالٍ مختلفة، وفي الوصول إلى قراراتٍ مختلفة.
"مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..."[الفتح 29]، شدّةٌ ورحمة، وما شدّتهم إلّا في باطنها رحمة، وما رحمتهم إلّا في داخلها شّدة. ولنفهم ذلك، فإن الحقيقة واحدة لها وجوهٌ عدّة، وتتجلّى بصورٍ عديدة. كذلك صفات الله وأسماؤه، فيها الرحمة وفيها الشدّة، وفيها العطف وفيها الغضب، وكلّ ذلك هو وجوه لحقيقةٍ واحدة، بقانون واحدٍ يهدف إلى أن يحققّ الإنسان رسالته على هذه الأرض، [خلقت كلّ شيءٍ من أجلك](1).
فقد يمرّ الإنسان بحالٍ من اليسر، وقد يمرّ بحالٍ من العسر، وكلّ حالٍ يمرّ به المقصود منه أن يكسب في الله وأن يدرّب هذا الوجود ليكون وجوداً أصلح، ولكنّ الإنسان في بعض الأحيان لا يدرك ذلك، "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"[الفجر 16،15]، وهذا حال الإنسان في وقتٍ ما وفي لحظةٍ ما.
ولكنّ الإنسان الذي يتعلّم من الأحوال التي يمرّ بها، يتعلّم فيصبح في حالٍ آخر، "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ"[البقرة 156]، لا يجزعون ولا ينسبون إلى الله أنّه أهانهم، أو أنّه أصابهم، أو أنّه كان عنيفاً معهم ـ إنّما أدركوا رحمته فيما أصابهم.
وأدركوا أيضاً يوم يحنو عليهم، خوفهم من ألّا يستفيدوا من هذا الذي أفاض به عليهم، فيحمدون الله على ما أعطاهم، ويستغفرونه أن يكونوا غير مقدّرين لعطائه وغير مُعمِلين له في الوجه السّليم والأفضل والأقوم، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، يخشون الله دائماً، ويطمعون في رحمته دائماً أيضاً.
إنّهم أيضاً لهم وجوهٌ كثيرة. أحوال الإنسان هي وجوهٌ له، لا تتعارض، وإنّما لكلّ مقامٍ مقال، ولكلّ حالٍ مقام، ولكلّ حادثةٍ مقام، ولكلّ وضعٍ يمرّ به الإنسان مقام، وهذا معنى من معاني: "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"[الإنفطار 8].
إن السّلوك على هذه الأرض يمرّ بهذه المراحل، يمكننا أن نبدأ من أيّ نقطةٍ فيما سنقوله الآن، يمكن أن نبدأ بمعاناة الإنسان، معاناة الإنسان أوّلاً في أن يدرك رسالته على هذه الأرض، وقد عانى الإنسان في قديم، ويعاني في حاضر، وسيعاني في قادم، عن أن يفهم معنى وجوده ورسالة قيامه.
وهي معاناةٌ أكبر من أيّ معاناة؛ لأنّه يريد أن يعرف ماذا يستطيع أن يفعل على هذه الأرض، ما هو الشّيء الذي يستطيع أن يقدّمه؟ ما هو الحال الذي يجب أن يقوم فيه؟ ما هي الصّفات التي يجب أن يتحلّى بها؟ ما دوره تجاه الآخرين، وما دوره تجاه نفسه؟
عنده اختياراتٌ كثيرة، وقد لا يجد أيّ اختيارٍ فيكون في معاناةٍ أكبر، يُعمِل ما أعطاه الله من عقلٍ ليختار بين ما وصل إليه، يُعمِل عقله أوّلاً ليجد اختياراتٍ وبدائل، فإذا لم يجد يظلّ يفكّر ويظلّ يبحث وقد لا يجد ما يختاره بصدق، إلى أن يصل أن يدعو الله وأن يطلب عوناً من الله ليساعده فيما هو فيه، فيصل إلى اختيارٍ ما، فينفّذ اختياره فيعاني في اختياره، فيفكّر في الحال الجديد الذي أوجد نفسه فيه، ويظلّ يبحث فقد يجد حلًّا لوضعه وقد لا يجد، فيّتجه إلى الله ويظلّ في هذه الدّائرة.
وربّما يجد بعقله ما يستريح إليه، فعليه ألّا ينسى الله أيضاً وأن يحمد الله على ما هداه، ويعلم أنّه سواء دعا الله بلسانه أو بقلبه، فإنّه لو أدرك ذلك فقام فيه فهذا أمرٌ حسن، ويعلم أنّه قد يدعو الله بوجوده دون أن يكون ذلك ظاهراً على حاله، إنّما هو جعل وجوده دائماً في حال دعوةٍ مستمرّة، فقد علم أنّه في دعاءٍ دائم، وأنّ ما يصل إليه من مفاهيم أو اختياراتٍ بعقله ما هي إلّا نتيجة هذا الدّعاء، فيكون في صلةٍ دائمة فيتحرّج من أن يدعو بلسانه؛ لأنّ ذلك يُخرِجه من هذه العلاقة الدّائمة.
لذلك قال القوم: [لو غاب عنّي رسول الله طرفة عينٍ ما عددت نفسي من المسلمين](2)؛ لأنّه تصوّر أنّه إذا دعا بلسانه فقد خرج من هذا الحال. هذا ما نتأمّله. ولكن هذا يعني أنّ الإنسان الذي لا يشعر بذلك عليه أن يدعو بأي صورة وألا يتأخر عن ذلك. وإنّما إذا شعر وقام فيه أنّه يريد عون الله فليدعُ الله، وليسأل الله، وليرجُ الله، وليدرك أنّ الله "...أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16]، ومعه أينما كان، وأن يدرّب نفسه ليكون داعياً دائماً بكلّ وجوده، فلا يرى إلّا الله، ولا يسمع إلّا الله، ولا يشهد إلّا الله.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون في دورة حياة وفي دورة سلوك وأن ننتبه لذلك، وأن نجاهد أنفسنا لنقوم في ذلك، حتّى نكسب كرّتنا ونكسب حالنا وحياتنا. هذا ما نرجوه ونسأله وندعوه، نستغفر الله إن أخطأنا وإن أسأنا في التعبير، وندعوه دائماً أن يعيننا، وأن يقوّي عزائمنا، وأن يلهمنا ما فيه صلاحنا وما فيه خيرنا وما فيه حياتنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ الإنسان هو الكائن الذي [ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره فيه](3)، وهذا معنى: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."، ومعنى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]، ومعنى: "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"، وما نراه في واقعنا هو تعبيرٌ عن ذلك.
فالإنسان هو الكائن العاقل الذي يستطيع أن يتعلّم مما يدور حوله، وهو الكائن الذي يستطيع أن يغيّر ما هو حوله، فهو يزرع ويبني ويعمّر ويصنّع ويبحث عن معنى الحياة وعن قوانين هذه الأرض التي يعيش عليها، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]، وهو الذي يستطيع أن يختار من بين بدائل كثيرة يجدها، "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس 10:8]. وهنا تعبيرٌ عن الاختيار وعن البدائل.
وضَرْب المثل ببديلين لا يعني أنّ الأمر ينحصر في ذلك، إنّما تزكية النّفس لها بدائل كثيرة. "وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" لها بدائل كثيرة أيضاً. بدائل ووسائل أيضاً كثيرة لكلتا الحالتين، ومن ثمّ فإنّ الإنسان يستطيع أن يولّد بدائل كثيرة، ويستطيع أن يختار من بين هذه البدائل أيضاً.
وكلّ بديلٍ يختاره سوف يؤدّي إلى نتيجة، والنّتيجة ستؤدّي إلى معاناةٍ من نوعٍ ما. وما نقصد بالمعاناة هنا ليس الجانب المتعب فقط، وإنّما أيضاً الموقع والحال الذي يرتاح فيه. والإنسان في أيٍّ من الحالين عليه أن يدرك أنّ علاقته يجب أن تكون وثيقةً بخالقه؛ لأنّه إذا ضعفت هذه الصّلة فهو سوف يخلط الأمور.
"...إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ"، هنا نلاحظ "...إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ..." وهذا ما نقصده أنّ المعاناة أو الابتلاء ليس فقط في أن قَدَر عليه رزقه، وإنّما أكرمه ونعّمه هو ابتلاءٌ أيضاً، بل أنّ ظنّه أنّه قد آمن هو ابتلاءٌ أيضاً؛ لأنّه مختبَرٌ في هذه العقيدة التي اعتقدها، "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"[العنكبوت 2].
فإذاً، الحال الذي يقوم فيه الإنسان من المعاناة ـ سَمِّها ـ أو الابتلاء ـ أيّاً كان المُسَمَّى ـ يتطلّب من الإنسان أن يعلم أنّه ـ في النهاية ـ الهدف منه، هو أن يكسب في الله، وأنّ القضيّة هي أن يكون في علاقةٍ دائمةٍ مع الله.
فإذا تدرّب على ذلك أصبحت صلته بالله فوق أن يدعوه بلسانه أو أن يذكره بقلبه أو أن يفكّر فيه بعقله؛ لأنّ عقله دائماً مشغولٌ بالله؛ ولأنّ قلبه دائماً مشغولٌ بالله؛ ولأنّ حديثه دائماً هو حديثٌ في الله، [لو غاب عنّي رسول الله طرفة عينٍ ما عددت نفسي من المسلمين](4).
هذا ما أردنا أن نقوله اليوم لعلّنا نستفيد منه ونتّجه إلى الله أن نقوم فيه، وأن ندرّب أنفسنا ووجودنا حتى نكسب هذا المعنى وهذا الحال.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّا إلّا فّرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.         
_______________________

(1)     روى في الخبر عن موسى عليه السلام أن الله انزل في التوراة " يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تهلك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك " أخرجه الحكيم الترمذي، كتاب ختم الأولياء للحكيم الترمذي صـ212. وفي القرآن الكريم يخاطب الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام قائلاً: "وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني"( طه 20: 39) ، ويقول أيضا "واصطنعتك لنفسي"( طه 20: 41).  

(2)    ، (4)  مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(3)     "ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان" مقولة صوفية.


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق