الأحد، 12 فبراير، 2017

نحن في حاجةٍ إلى تواصي من رؤى مختلفة، حتّى إذا اجتمعنا على أمر تكون احتماليّة الخير فيه أكبر من الشّر

حديث الجمعة 
29 ربيع الآخر 1438هـ الموافق 27 يناير 2017م
السيد / علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور حياتنا ونتأمّل في أحداث مجتمعنا، مدركين أنّ كلّ حدثٍ هو رسالةٌ من الله لنا، وأنّ ما حدث في سابق وما يحدث في حاضر وما سيحدث في مستقبل هو رسالةٌ دائمةٌ وحديثٌ متّصلٌ يعلّمنا ويرشدنا لما يحيينا ولما يأخذ بأيدينا إلى الخير والصّلاح والفلاح.
ولنا في الأحداث التي مرّت ببلدنا مثلاً وعبرة، فرسالة الله لنا كما نقرؤها وكما نفهمها وكما نتدبّرها ـ وقد يقرؤها إنسانٌ بصورةٍ أخرى ـ فهذه قراءتنا وتأمّلنا وتدبّرنا، رسالةٌ خاصّة بما يجب أن يكون عليه أفراد أيّ مجتمعٍ، وقد جاءت لنا هذه الرّسالة في آيات الله في كتابه العزيز، كما جاءت لنا في أحداث الحياة التي مررنا بها.
فآيات الله تعلّمنا كيف نتعايش في مجتمعٍ ما بإدراكنا لما أوجد الله فينا من قدرةٍ على التّمييز بين الخير والشّر، بين النّور والظلام، بين الحقّ والباطل ـ فكان التّوجيه للأمّة "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..."[آل عمران 104]، [فلا تجتمع أمّتي على ضلال](1)، فإذا اجتمع الأفراد بنيّةٍ خالصة لصالح المجتمع فلا دعوى لهم إلّا للخير، ولا اتّفاق بينهم إلّا على الخير، والخير بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معاني.
فالخير في أن يكون هناك عدلٌ، والخير في أن تكون هناك حياةٌ كريمة، والخير هو أن يتكافل النّاس ويتعاونوا. الخير عُبِّر عنه بصورٍ كثيرة "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[النحل 90]، هذا تعبيرٌ عن الخير أيضا.ً
والخير أيضاً جاء بصورةٍ قد نرى فيها جانباً سلبياً، "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ"[العاديات 8:6]. قد يفسّر البعض الخير هنا بحبّ الدّنيا، وبحبّ المال، وبحبّ الجاه، وبحبّ السّلطان ـ إلّا أنّ هذا أيضاً له جانبٌ إيجابيّ، فما أودع الله في الإنسان من حبٍّ لهذا الخير هو حبٌّ للحياة، فلولا هذا الحبّ الموجود في قلبه لهذه الدنيا، ما سعى فيها وما غيّرها وما تعاون مع إخوانٍ له.
فالخير أيضاً هنا هو الجانب الإيجابيّ في حبّ الحياة لخير الناس ولمعيشتهم على هذه الأرض. فكلّ إنسانٍ يحبّ أن يعيش عيشةً كريمة، وهذا لا غبار عليه طالما أنّه لا يعتدي على آخرٍ ولا يسلب آخراً ماله أو عرضه أو وطنه أو أيّ شيءٍ آخر.
 "...يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..."، تشمل كلّ أسباب الحياة، وكلّ مناحي الحياة من اقتصادٍ، ومن سياسةٍ، ومن اجتماعٍ، من عدالةٍ ماليّة واقتصاديّة واجتماعيّة وقانونيّة وسياسيّة، العدالة بكلّ أنواعها، في كلّ مستوىً، وفي كلّ حالٍ، وفي كلّ منحى من مناحي الحياة.
لذلك، فحين يجتمع النّاس ونيّتهم الخير فإنّه تصدر عنهم هذه الدّعوات، يصدر عنهم طلب الحريّة، وطلب الكرامة الإنسانيّة، وطلب العدالة الاجتماعيّة، وطلب المعيشة الكريمة. إنّ هذا مطلوبٌ منّا أن يحدث في كلّ حياتنا في كلّ أحوالها، في كلّ مصنعٍ، وفي كلّ حقلٍ، وفي كلّ بيتٍ، وفي كلّ مؤسّسةٍ، في المجتمع بكلّ مؤسّساته، أن يكون هناك من يدعو إلى الخير، من يبحث عن الخير، من يتواصى بالحقّ والصّبر، ليصل إلى ما هو أفضل وأحسن وأقوم.
ويحدث أيضاً يوم تخرج الجموع على هدفٍ نبيل، فإنّها تدعو إلى هذه المعاني. وهذه تجربةٌ مررنا بها في مجتمعنا يوم خرج جموع النّاس يطلبون هذه المعاني، يطلبون الحريّة، يطلبون الكرامة الإنسانيّة، يطلبون العدل في كلّ صوره، في الحكم، وفي الاقتصاد، وفي المعيشة، في كلّ صورةٍ من صوره، ولكلّ صورةٍ من صوره.
فهنا كان حديث الحقّ لنا فيما حدث ـ لا نستطيع أن نرى فقط الجانب الماديّ من الحدث ـ فقد يعلّل بعض النّاس هذا الحدث بما كان يعانيه المجتمع، وهذا جانبٌ، إلّا أنّ هذه المعاناة هي دائمة ولم تطرأ على المجتمع، فهي من عشرات السنين قائمة.
وإنّما تحدث في لحظاتٍ أن يخرج الناس مجتمعين ليعبّروا عن رؤيتهم لحياتهم، ولكن لا يستمرّ هذا الحال كثيراً، فلا تستطيع الأمّة أن تتحمّل أن يكون النّاس في ثورةٍ دائمة، إنّما هي تظهر لوقتٍ قصير مذكّرةً الجميع بما يجب أن يكونوا عليه إن كانوا قد نسوا المبادئ الأساسيّة التي يجب أن يقوم عليها المجتمع، فهو حدثٌ تذكيريّ.
ولو نظرنا إليه من الجانب الغيبيّ، لوجدنا أنّه رسالةٌ من السّماء تذكّرنا بما يجب أن نكون عليه في حياتنا الطّبيعيّة المستقرّة. لذلك، فإنّ بعد هذا التذكير يرجع النّاس إلى حياتهم الطّبيعيّة، وقد يستفيدون ممّا ذكّروا به فيستقيمون في حياتهم، أو أنّهم ينسون ما ذكّروا به فيرجعون إلى ما كانوا عليه. وهكذا تكون الأحداث متتالية، قد نأخذ فترةً طويلة حتّى نستوعب الدّرس لنستقيم كما أُخبِرنا، وإن لم نفعل لجاءت تذكرةٌ أخرى، وهكذا.
لذلك، فإنّ الإنسان في حياته يمرّ كذلك بهذه الدّورة، فقد يحدث له حدثٌ يجعله يفيق من غفلته وأن يرجع إلى ربّه وأن يتوب إليه، وأن يحاول أن يسلك طريقاً صحيحاً فيه حياةٌ وفيه نجاة، وقد يستمرّ على ذلك لفترة ثم يعود مرةً أخرى إلى غفلته، فيجيئ ما يذكّره فيرجع، [كلّ ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون](2).
هكذا نتعلّم من أحداث الحياة، ما جاء في آيات الله، والآية "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104]، هي منهجٌ كامل؛ لأنّه قال بعد ذلك "...وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[آل عمران  104]. "... وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."، هي تعبيرٌ عن أنّهم يدعون إلى الخير؛ لأنّ الخير في أن تعرف وأن تأمر بما هو معروف أنّه يؤدّي إلى الصلاح والفلاح.
فتبحث عن هذا في تجربتك الخاصّة وفي تجارب الأمم حولك، لتعرف ما يصلح هذا المجتمع. وتبحث أيضاً عن أسباب الفشل فيما حدث في مجتمعك وما حدث في مجتمعاتٍ أخرى، فتنهى عن هذا المنكر الذي يؤدّي إلى الخيبة، وإلى الفشل، وإلى التناحر، وإلى التقاتل، وإلى الفقر، وإلى العوز، وإلى المرض ـ كلّ ذلك هو المنكر. المنكر هو كلّ ما يؤدّي إلى فساد، وإلى ظلام، وإلى حياةٍ غير سويّة، إلى فقرٍ، وإلى جهلٍ، وإلى مرضٍ، ينهون عن كلّ ذلك.
ونحن نرى فيما يحدث حولنا أنّ الكلّ إذا تكلمّ فهو لا يستطيع أن يتكلّم إلّا بأنّه يريد الخير وأنه يعمل من أجل الخير، وهذا واقعٌ. وكلّ إنسانٍ في داخله وفي دعوته دعوةٌ إلى الخير، ولكن المشكلة الكبرى أنّ الأمور تختلط على النّاس، فربّما يظنّ البعض أنّ هذا خيرٌ، ثم يؤدّي هذا الفعل إلى شرٍّ يصيب المجتمع.
لذلك، فنحن في حاجةٍ إلى هذا المعنى "...يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."، أن يكون هناك تناصح وأن يكون هناك تواصي، وأن يكون التّواصي من جهاتٍ متعدّدة، من زوايا مختلفة، من رؤى مختلفة، حتّى إذا اجتمعنا على أمرٍ تكون احتماليّة الخير فيه أكبر بكثيرٍ من احتماليّة الشّر والفشل. لذلك، في أيّ مجتمعٍ هناك حاجةٌ للرؤى المختلفة وللأصوات المتعدّدة.
ولو نظرنا في تاريخنا لوجدنا أنّ الفشل الذي أصاب الأمّة في مراحلها المختلفة هو في عدم وجودٍ يسمح بهذا التّعدد وبهذا الاختلاف الذي يؤدّي إلى الخير، فـ "...يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ..." تعني أنّ هناك رؤىً مختلفة، كلٌّ يرى أنّها الخير، فيتواصون بهذه الرؤى بمعنى أنّهم يبحثون عن الأفضل منها.
فالتّواصي بالحقّ بين النّاس لا يعني أنّهم يعرفون الحقّ فيقولونه، ولكن يعني أنّهم يتواصون بما يرون أنّه الحقّ، وهناك اختلافٌ بين الحقّ المطلق وبين ما أرى أنا أنّه الحقّ، فالرؤى تختلف. كلّنا هدفنا الحقّ، حتّى إذا كان الأمر كذلك ـ إذا استثنينا أهل الشر، أو أهل الظلام، أو أهل الفساد، أو أهل الغفلة ـ كلّ من يرى أنّه يريد الحقّ قد تكون له رؤيةٌ مختلفة ليصل إلى الحقّ.
فإذا اجتمعنا نريد هذه الرؤى المختلفة، لا نريد رؤيةً واحدة نظلّ نردّدها ونكرّرها، كلامٌ نظلّ نكرّره ونعيده، إنّما نريد أن نرى اختلافاً حتّى يتبيّن الحقّ الذي ينفعنا اليوم ويرشدنا إلى ما هو أحسن وأقوم.
فهنا، حين نظرنا في القديم، كان نظام الحكم في السّالف، في العصور الأولى للإسلام مبني على القوّة، مبني على نظريّة  المتغلّب، أنّ من يتغلّب ويأخذ الحكم فإنّه يجب أن يُطاع، ولا توجد أيّ صورةٍ في المجتمع لأن يقول إنسانٌ رأياً مخالفاً في نظام الحكم أو في قرارات الحاكم. فالحاكم يصبح شبه إلهٍ يأمر فيُطاع، وهذا ما أدّى مع مرور الوقت إلى ما نحن عليه في هذه المجتمعات من غفلةٍ ومن تدنّي ومن جهلٍ في جميع مناحي الحياة ـ أحد الأسباب، ليس السبب الوحيد، وإنّما هو أحد الأسباب.
لذلك، فإنّ الأحداث تفسّر لنا آيات الله وأوامره، التي هي أوامر كاشفة وليست أوامر تفرض شيئاً غير موجود، إنّها تكشف عن سُنن الحياة وعن قوانين الحياة، التي إن اتّبعناها نجونا وإن لم نتّبعها فشلنا.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من الذين يقرأون آيات الله لنا، ويتعلّمون من قراءتهم، ويعرفون أنّ هناك رؤىً كثيرة، وأنّ علينا أن نتواصى بيننا، وأن نكون من الذين "...يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...".
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ أحداث الحياة هي تعبيرٌ عن آيات الله التي عَلّمنا والتي أنزلها علينا برسالة السّماء وبأن بعث رسولاً يدعو الناّس إلى الحقّ وإلى الخير وإلى السّلام، ويعلّمهم أن اختلافهم هو أساس نهضتهم، لو شاء الله لجعلكم أمّةً واحدة، ولكن جعلكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، وجعل لكلّ إنسانٍ رؤيته ولكلّ إنسانٍ نظرته.
فعلينا أن نتواصى بهذه الرؤى، وأن نتعلّم من اختلافنا، وأن نبحث عمّا يؤثّر إيجاباً لإصلاح مجتمعنا ـ وهذا هو معنى الأمّة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. هكذا أردنا أن نقول اليوم: أنّ كلّ حدثٍ حدث لنا هو تعبيرٌ وإرشادٌ لنا وتفسيرٌ لما نجده في آيات الله لنا، لعلّنا نتعلّم من أحداث الحياة حولنا.
ولعلّنا نجتمع حقّاً على الخير وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالمعنى الشامل والعام للمعروف والمعنى الشامل والعام للمنكر، ليس في صورٍ تعبّديّةٍ أو منسكيّةٍ كما يفسّر البعض في بعض البلدان، فينسبون لأنفسهم أنّهم الذين يدعون إلى المعروف وينهون عن المنكر بأن يجبروا النّاس على أن يتعبّدوا، أو على أن يصلّوا، أو على أن يرتدوا زيّا معيّناً.
وإنّما الأمر بالمعروف أكبر من ذلك بكثير، إنّه كلّ الخير في كلّ مناحي الحياة، إنّه العدل، إنه الحريّة، إنّه العدالة الاجتماعيّة، إنّه الكرامة الإنسانيّة، إنّه المجتمع الفاضل، إنّه المجتمع المنتج، إنّه المجتمع الذي يتعلّم فيه الجميع، والذي يُطبّب فيه الجميع، والذي يعيش الجميع فيه عيشةً كريمة.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    

_______________________

(1)  حديث شريف: "لا تجتمعُ أمتي على ضلالةٍ". المحدث: ابن حزم، المصدر: أصول الأحكام، خلاصة حكم المحدث: هذا وإن لم يصح لفظه ولا سنده فمعناه صحيح.

(2)  قال صلى الله عليه وسلم: "كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، أخرجه أحمد بن حنبل والترمذى ـ الجامع الصغير جـ2 صـ92.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق