الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

نذكّر أنفسنا بذلك وكفى: أن يكون تعاملنا كلّه محبّةً في الله، وتعاملاً مع الله، في عبادتنا وفي معاملاتنا

حديث الجمعة 
13 جمادى الأول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور حياتنا في دنيانا وفي آخرتنا، حياةً متّصلة نرجو فيها أن نكون قاصدين وجه الله.
عباد الله: إنّنا نذاكر أنفسنا دائماً، أنّ كلّ هذه الحياة يمكن أن تكون ذكراً لنا في الله، ويمكن أن تكون غفلةً عن ذكر الله. وذكر الله ليس في العبادة التي نعرفها فقط، من صلاةٍ أو تسبيحٍ أو صومٍ أو حجٍ، إنّما مع كلّ هذا هي ـ أيضاً ـ في كلّ لحظةٍ نعيشها على هذه الأرض، بل أنّ ما نتصوّر أنّه عبادة وذكر قد يكون غفلةً أيضاً، [كم من مصلٍّ لم يزدد بصلاته من الله إلّا بعدا](1).
لذلك، فحين نتكلّم عن حياتنا على هذه الأرض، فإنّنا نتكلّم عن كلّ ما فيها، فيما هو ظاهر عبادة وفيما هو ظاهر عملٍ دنيويّ. كلّ ما نفعله يتحوّل إلى ذكرٍ وإلى كسبٍ وإلى رقيٍّ في الله، يوم نذكر دائماً معنى الله قائماً علينا، الحيّ القيّوم.
يوم نستحضر هذا المعنى بلا صورةٍ ولا شكل، إنّه الرّحمة بلا شكل، إنّه المحبّة بلا شكل، إنّه النّور بلا شكل، إنّه الحياة بلا شكل، إنّه الأسماء الحسنى كلّها بلا شكل، إنّه الغيب، "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..." [البقرة3]. تنزيهك لعملك وعبادتك وكلّ أعمالك عن الصّورة والشّكل، هو معنى من معاني الغيب.
لذلك، نجد الآية "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة3]، هم الذين "...يُقِيمُونَ الصَّلاةَ..."[البقرة 3]، وهم الذين "...مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]، وهم أولئك الذين على "...هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ..."[البقرة 5]، هم المتّقون الذين يؤمنون بالغيب.
الغيب هو الحقيقة المطلقة الوحيدة في حياتنا، فما نعلمه حقّاً أنّنا لا نعلم، وما نعلمه حقّاً أنّنا لا نستطيع أن نعلم ما وراء هذه الحياة. وما نستطيع أن نعلم ـ أيضاً ـ أنّنا في حياتنا إن لم يتغمدنا الله برحمته لنكوننّ من الخاسرين، وهذه خشية الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]. العلماء هم المتّقون، هم الذين يؤمنون بالغيب؛ لأنّ العالِم حقّاً، هو الذي يدرك أنّه لا يعلم، وهذا هو نوعٌ من الإيمان بالغيب.
حين ننظر حولنا ونجد البعض وهم يتصوّرون أنّهم يتكلّمون باسم الله، ويعرفون ما يريد الله، ويتّخذون قراراتٍ صعبة وفاصلة دون تردّد ودون أن يتّجهوا لله بالدّعاء حقّاً أن يلهمهم الصّواب، فهم قد علموا الصّواب واتّخذوا القرارات المناسبة، وهم الذين على حقّ، وهم الذين يعرفون الحقّ، وهم الذين يحكمون على النّاس، ويقدّرون النّاس، ويقتلون النّاس، ويحيون النّاس. بفهمهم وباعتقادهم وبظنّهم، يُعْلون الكثيرين ويجعلون آخرين في أسفل السّافلين، وهم أربابٌ من دون الله دون أن يشعروا بذلك، ودون أن يخالجهم أيّ شكٍّ في ذلك، فهم أربابٌ بلا شكّ، قالوا هذا أم لم يقولوا، إنّما أفعالهم تدلّ على ذلك.
إنّنا نريد أنّنا حتّى ـ أيضاً ـ ونحن نرى هؤلاء، نحن لا نحكم عليهم بأيّ شيء، إنّما نحن نتأمّل في أنّ علينا أن نكون ممّن يخشون ربّهم، ممّن لا يطلقون الأحكام في كلّ اتّجاه. إذا تكلّمنا هنا عن حالٍ، فإنّنا نتكلّم عن حالٍ نصفه، لا نتكلّم عن أشخاص. فالأشخاص نحن لا نستطيع أن نحكم على أيّ شخص، إنّما نحن نتكلّم عن مفهومٍ لنا، وقد نكون مخطئين في فهمنا، ولكن لا يسعنا إلّا أن نذكّر بما نستطيع أن نفهمه. ونقول دائماً، أنّ ما نذكره ليس مقدّساً، وإنّما هو فهمٌ بشريّ يخطئ ويصيب.
نحن نقول ببساطة أنّ علينا أن نخشى الله، وأن نكون من الذين يؤمنون بالغيب، وأن نكون من الذين يصلّون دون أن يضعوا صوراً لصلاتهم، وإنّما كلّ مطلبهم أن يكونوا في صلةٍ بربّهم، في صلةٍ بالغيب، في صلةٍ بمصدر الحياة، في صلةٍ بنور الله، في صلةٍ بروح الله، في صلةٍ برسول الله، في صلةٍ بخليل الله، في صلةٍ بحبيب الله، في صلةٍ بالله في كلّ وقتٍ وفي كلّ حين. هكذا تكون الصّلاة في مفهومنا،  [لو غاب عنّي رسول الله طرفة عينٍ، ما عددت نفسي من المسلمين](2).
وأن تكون أفعالهم وإنفاقهم في سبيل الله، "...وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"، فهم ينفقون تعاملاً مع الله، وينفقون حبّاً في الله، "... وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..."[الحشر 9]، يدركون الله في كلّ صورةٍ وفي كلّ شكل، وهو وراء كلّ صورةٍ ووراء كلّ شكل، وما الصّورة والشّكل إلّا تجلّي لإرادته ولحكمته، لنستطيع أن نتعامل، ولنستطيع أن نتّجه، ولنستطيع أن نحبّ،  ولنستطيع أن نكره، ولنستطيع أن نعمل، ولنستطيع أن نغيّر.
نحبّ الله حبّاً لا صورة له ولا شكل له، إنّه حبّ الفرع للأصل، حبّ المخلوق لخالقه، حبّ الموجود لموجده. [والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت ..  إلّا وحبّك مقرونٌ بأنفاسي](3)، هكذا يخاطب عبد الله ربّه، يخاطب موجده، يخاطب خالقه؛ لأنّه لا يملك بوجوده إلّا أن يحبّ موجده، ولا يملك بخِلْقَته إلّا أن يحبّ خالقه، ولا يملك بفطرته إلّا أن يحبّ فاطره، "...فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..." [فاطر 1].
هكذا نتعلّم المعاني التي شعر بها المحبّون، والذين عبّروا عن حبّهم بأشعارهم وبكلامهم، وأدركوا معنى الحبّ في الله، [حبٌّ لأنّك أهلٌ لذلك](4)، [أدين بدين الحبّ أنّى توجّهت ركائبه ..  فالحبّ ديني وإيماني](5).
هكذا نتدبّر في أحوالنا، ونتدبّر في حياتنا، أن تكون علاقتنا بالله هي علاقة غيبٍ، علاقة حبٍّ بلا شكلٍ ولا صورة، علاقة عبادةٍ في كلّ أمرٍ نقوم به، علاقةً نشعر فيها بوجود الله يحيط بنا وبرحمته تتخلّلنا، أرحم بنا من أنفسنا، برسوله وبرحمته المهداة، "النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ..."[الأحزاب 6]، [أأجعل كلّ صلاتي لك يا رسول الله؟ فيكفى همك ويغفر ذنبك يا عمر](6)، لو فعلت ذلك، ولو استطعت ذلك. إنّ القضيّة ليست قضية كلام، إنّما قضية فعلٍ وقيام. فلعلّنا نقوم في ذلك برحمة الله وفضله.
عباد الله: نسأل الله دائماً: أن نكون عباداً له خالصين، وله عن أيّ صورةٍ مكبرين ومنزّهين، له محبّين وعليه متوكّلين وله سائلين داعين، نتوكّل عليه، ونوكل ظهورنا إليه، ونُسلِم وجوهنا إليه، لا ملجأ ولا منجى منه إلّا إليه، اللهم فاجعلنا كذلك، وحقّق لنا ذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ علاقتنا بالله أكبر من أيّ صورةٍ أو شكل، وأنّ علينا ونحن نقوم بعباداتنا الروحيّة وبعباداتنا الدنيويّة أن نتذكّر ذلك.
أن نكون دائماً سائلين الله توفيقاً، فلا نخطو خطوةً إلّا وقد توكّلنا على الله، ولا نأخذ قراراً إلّا بعد أن نتوكّل على الله، ولا نؤدّي صلاةً إلّا بعد أن ننوي أن نكون على صلةٍ بالله، ولا نؤدّي معاملةً إلّا ونحن نسأل أن نكون متعاملين مع الله، في محبّةٍ خالصة، محبّة موجودٍ بموجده، مخلوقٍ بخالقه، فرعٍ بأصله، هكذا يكون إحساسنا بالغيب الذي هو أرحم بنا من أنفسنا، لا نيأس من رحمته، ولا نيأس من مغفرته.
إذا غفلنا نرجع إليه، وإذا أخطأنا نتوب إليه، وإذا أسأنا نستغفره، وإذا أذنبنا نستغفره، وإذا زلّت قدمنا نناديه باسمه "...الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"[الفاتحة 1]، وإذا أسأنا الأدب فإنّا نتوسّل بجاه رسوله لديه، وبكرامته عليه، هكذا يكون حبّنا حبّاً خالصاً.
وكما قال القوم: [نحبّك حبّين، حبّاً لذاتك، وحبّاً لأنّك أهلٌ لذلك](7)، يكون تعاملنا كلّه محبّةً في الله، وتعاملاً مع الله، في عبادتنا وفي معاملاتنا، نذكّر أنفسنا بذلك وكفى. إذا ذكرنا ذلك فقط من هذا الحديث، وتمسّكنا به، نعتقد ونأمل ونرجو أن نكون من عباد الله الصّالحين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم نفوسنا إليك، ونفوّض أمورنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
نسألك أن توفّقنا أن نكون من المحبّين حقّاً، من العابدين حقّاً، من المرحومين حقّاً.
نسألك الخير كلّ الخير لنا، ولإخواننا، ولمجتمعنا، ولأرضنا، فعطاؤك يشمل كلّ شيء، ويسع كلّ شيء.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه اللحظة ذنباً إلّا غفرته، ولا مريضاً إلّا شفيته، ولا ديناً إلّا قضيته، ولا مظلوماً إلّا نصرته، ولا ظالماً إلّا كسرته.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا. 
____________________

 (1) أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً".

(2) مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(3)  من أشعار الحلاج:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت           إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم                إلا و أنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً و لا فَرِحا              إلا و أنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش       إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

(4) ، (7) من أشعار رابعة العدوية: "أحبّك حبّيْن حُبّ الهوى .. وحُبّاً لأنك أهل لذاك".  

(5) من أشعار محيي الدين بن عربي.

(6)  كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا ذهب ربعُ اللَّيلِ قام فقال يا أيُّها النَّاسُ اذكروا اللهَ اذكروا اللهَ جاءت الرَّاجفةُ تتبعُها الرَّادفةُ جاء الموتُ بما فيه جاء الموتُ بما فيه قال أُبيُّ بنُ كعبٍ فقلتُ يا رسولَ اللهِ إنِّي أُكثِرُ الصَّلاةَ فكم أجعلُ لك من صلاتي قال ما شئتَ قال قلتُ الرُّبعَ قال ما شئتَ وإن زدتَ فهو خيرٌ لك قال فقلتُ فثُلثَيْن قال ما شئتَ فإن زدتَ فهو خيرٌ لك قلتُ النِّصفَ قال ما شئتَ وإن زدتَ فهو خيرٌ لك قال أجعلُ لك صلاتي كلَّها قال إذًا يُكفَى همُّك ويُغفرُ لك ذنبُك". الراوي: أبي بن كعب، المحدث: المنذري، خلاصة حكم المحدث: [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما].



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق