الاثنين، 17 يوليو، 2017

ليلة القدر متاحةٌ في كلّ ليلةٍ، ولكن القضيّة هي قضيّة الإنسان

حديث الجمعة 
28 رمضان 1438هـ الموافق 23 يونيو 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: إن آيات الله لنا لا تنتهي، تجلّت في كتابه الذي أَنزَل، وفي الآفاق، وفي أنفسنا، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..."[فصلت 53]. "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ"[القدر 1]، أنزلنا هذه الآيات في هذا الكتاب لتكشف لنا أسرار هذه الحياة وأسرار وجودنا، كيف جئنا إلى أرضنا وكيف سنغادرها.
وتنزيل الكتاب هو أمرٌ دائمٌ من ناحية المعنى، "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ..."[البقرة 285]؛ لأنّ الرّسول كان أهلاً لتنزيل الكتاب عليه، و"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" هي تعبيرٌ عن هذا المعنى، وما كانت ليلة القدر إلّا أنّها الليلة التي أصبح رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بذاته، أهلاً لتنزيل هذا الكتاب.
و [ما أعطيته فلأمّتي](1)، و [لكم من الله ما لي](2)، فكلّ إنسانٍ مؤهّلٌ لأن يكتمل ويصبح أهلاً لتلقّي آيات الله ونفحات الله، ليس بالشّكل الذي جاء به رسول الله، وإنّما بالمعنى، معنى التّأهّل للتّعرّض لنفحات الله، معنى أن يكون الإنسان أهلاً لنفحات الله، ولآيات الله، ولنور الله، ولكتاب الله.
فكتاب الله ليس مجرّد كلماتٍ تُكتب على ورق، وإنّما كتاب الله هو معاني تتلقّاها القلوب، وتتفهّمها العقول، وتنير بها الأجساد والأرواح والنّفوس. فليلة القدر ليست توقيتاً زمنيّاً، وإنّما هي ليلة وصل، هي ليلة اتّصال، هي ليلة تأهيل، هي ليلة تنزيل، هي ليلةٌ يكون الإنسان فيها أهلاً لتلقّي رحمات الله.
إنّ الإنسان إذا تعرّض لهذا الحال أصبح في معنى: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ..."[الفتح 2]، "...خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ"[القدر 3]؛ لأنّ ما فيها من نور وما فيها من رحمة، يزيل كلّ ظلام، ويمسح كلّ باطل، ويثبّت النّور والحقّ فيمن كان أهلاً لهذه الليلة ولهذا المعنى.
والآيات توضّح لنا ذلك أكثر، توضّح لنا أنّ أسباب الله الغيبيّة تتنزّل على الإنسان لتغيّره من حالٍ إلى حال، ومن قيامٍ إلى قيام، "تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ"[القدر 4]، ملائكة الله، أسباب الله، أنوار الله، روح الله، نور الله ـ تجيئ وتتنزّل لتزيل ما في الإنسان من سوءٍ ومن ظلام.
إنّها لحظةٌ قد تجيئ للإنسان في أيّ مرحلةٍ من مراحل حياته على هذه الأرض، وقد تكون خاتمته، وقد تكون لحظة انتقاله من هذه الأرض. ونحن ندعو دائماً: اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك. إنّها لحظة المغفرة الشّاملة والرّحمة الكاملة، إنّها لحظة الحياة التي يكون الإنسان بعدها في سلام، "سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"[القدر 5]، يكون في سلامٍ، ويرى الحقيقة واضحةً جلية.
ومع أنّ الإنسان في معراجه يخرج من حجابٍ إلى حجاب، فالحقيقة التي يراها لم يكن يراها على أرضه، ولكنّها بالنّسبة لمعراجه هي حجابٌ آخر، [فما من كمالٍ إلّا وعند الله أكمل منه](3). بهذا يكون الإنسان قد دخل طريق الحياة، وطريق الحياة لا نهاية له. وقد عبّر الصّوفيّة عن ذلك بقولهم: [إن الطّريق إلى الله له نهاية، ولكنّ الطّريق في الله لا نهاية له].
عباد الله: إنّا نتدبّر آيات الله لنتفهّم معانيها، ومعاني الآيات لا نهاية لها، وما نفهمه هو ذرّةٌ في بحرٍ لانهائيّ، "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"[الكهف 109].  
عباد الله: إنّا نريد أن نخرج من تجسيد كلّ شيءٍ معنويّ، فلا نحصر مفهومنا في ليلة القدر بأنّ نتحدّث عن موعدها الزّمنيّ، أو في أيّ ليلةٍ تكون. فكما أشرنا، أنّ القضيّة هي القيام في معنى الليلة، وليست القضيّة هي توقيتٌ زمنيّ. وما إشارة حديث الرّسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في أن نترقّبها في العشر الأواخر من رمضان، إلّا تعبيراً عن معنى التأهيل لها.
فأنت في شهر الصّوم تقوم بما يؤهّلك لأن تكون أهلاً لهذا المعنى، وما إشارة رسول الله إلى العشر الأواخر إلّا لتأكيد هذا المعنى، وهو أنّ الإنسان بدعائه، بصلاته، بصومه الذي هو كلّه دعاءٌ لله وتعرُّضٌ لنفحات الله، يريد أن يُؤهَّل ليكون أهلاً لهذه الليلة المباركة، لهذا الحال المبارك، لهذا القيام المبارك. علينا أن نجعل مفهومنا أوسع من أن نحصره في شكلٍ، أو في زمنٍ، أو في مكانٍ.
عباد الله: نسأل الله أن يجعلنا أهلاً لذلك، وأن يوفّقنا لأن نكون لنفحات الله وجودنا معرّضين ولآياته مستقبلين، في كلّ وقتٍ وحين.
فحمداً، لله وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
________________________

الحمد لله، والشّكر لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن يكون تفهّمنا للآيات أكبر من الزّمان والمكان، وأن نتفهّم المعنى المصاحب للآية وإن ارتبطت في ظاهر القول بزمنٍ أو بمكانٍ؛ لأنّ القضيّة هي الإنسان، وأن يكون أهلاً لما يجيئ مصاحباً لذكر الزّمان أو المكان.
وليلة القدر مثالٌ على ذلك، فكلّ ما يقوله القائلون عن وقتها، عن أيّ ليلةٍ، ولا يتفهّمون ما جاء مصاحباً لهذه الليلة من معانٍ، وأنّ القضيّة ليست في زمنٍ، فالله يتجلّى على خلقه في كلّ لحظةٍ، في كلّ ثانيةٍ.
ليلة القدر متاحةٌ في كلّ ليلةٍ، ولكن القضيّة هي قضيّة الإنسان، هل هو مؤهّلٌ لتلقّي هذه المعاني، أم غير مؤهّلٍ لها؟ لذلك، فإنّ على الإنسان أن يؤهّل نفسه بالدّعاء الدّائم، بالصّلاة الدّائمة، بالذّكر الدّائم، آملاً أن يكون أهلاً لتلقّي نفحات الله ورحماته.
هذه هي الرّسالة التي نريد أن نوصلها اليوم، أن نتفهّم هذه الرّسالة، وأن تتحوّل عندنا إلى واقعٍ نعيشه، فيكون تعاملنا مع الله، ويكون عملنا في الله، ويكون حديثنا في الله، وتكون كلّ حياتنا لله وكلّ وجودنا لله، سائلينه أن نكون أهلاً لتلقّي نفحاته وتلقّي رحماته ولتنزيل كتابه، وأن نكون أهلاً لملائكته وروحه، وأن نكون عباداً له صالحين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا .
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
___________________

(1) لم نجده بهذا اللفظ ولكن قد يقرب من معناه الأحاديث التالية :

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم مما علمني..." الراوي : أبو هريرة، المحدث: الألباني .

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أنا أبو القاسم ، الله يعطي ، وأنا أقسم " الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني.

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلمونهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء" الراوي: جبير بن نفير (تابعي) المحدث: أبو داود.  

(2) لم نجده بهذا اللفظ ولكن قد يقرب معناه من:

- "وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا"[النساء 69].

- جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال : يا رسولَ اللهِ ! كيف ترى في رجلٍ أحبَّ قومًا ولما يَلحقْ بهم ؟ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " المرءُ مع من أحبَّ ". وفي روايةٍ : أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رجلٌ. الراوي: عبدالله بن مسعود،  المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم.

(3) مقولة الامام الجنيد.


     



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق