الاثنين، 25 نوفمبر 2019

معنى "رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ" هو معنىً دائم في الحياة، في كلِّ مجتمع، وفي كلِّ دين.



حديث الجمعة 
25 ربيع الأول 1441هـ الموافق 22 نوفمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نتَّجه إلى الله دائمًا، سائلينه أن يُنير بصائرنا وأن يُطِّهر قلوبنا، حتَّى نتعلَّم من آياته، نقرأ آياته ونتدبَّرها لنتعلَّم منها ما يرشدنا في طريق الحقِّ إلى أن نكسب حياتنا ونكسب كرَّتنا، لنكون أحياءً عند ربِّنا نُرزق.
والحقُّ في آياته يُعلِّمنا قوانين الحياة ـ كما نقول دائمًا ـ وإعجاز القرآن ـ في نظرنا ـ هو في هذه القوانين التي يُعلِّمنا إيَّاها، فهي قوانينٌ موجودةٌ في فطرتنا، ولكنَّنا بانشغالنا بظاهر وجودنا لم نقرأها في وُجداننا وفي نفوسنا، فكانت الرِّسالات السَّماويَّة والكتب الحقيَّة هي التي تكشف لنا عن هذه القوانين.
ومن القوانين التي تعلَّمتها البشريَّة من خلال تجاربها الإنسانيَّة، ومن خلال ممارساتها لأساليب كثيرة في جميع مناحي الحياة العلميَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والسياسيَّة، وكلِّ ناحيةٍ أخرى ـ تعلَّمت الإنسانيَّة ما وصلت إليه اليوم من قيمة النَّظر، والتَّأمُّل، والتَّدبُّر، والملاحظة، والرُّؤية، والتَّحليل، والتَّفكير، والإثبات، والتَّحقيق، والتَّطبيق لكلِّ ما تَعلَمه في حياتها، وفي سلوكها، وفي ما يُريح ويُسهِّل الحياة للقائمين على هذه الأرض.
حين نتأمَّل بعض آيات الذِّكر الحكيم، نجد آياتٍ تُعلِّم البشرية هذا المعنى بصورةٍ مكرَّرةٍ في تعبيراتٍ مختلفة. فنجد منها التَّوجيه المباشر مثل: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]. ومنها ما هو في صورٍ غير مباشرة: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..."[آل عمران 191]، وهي آيةٌ لمن يدرك بحقٍّ يجدها مباشرةً أيضًا، ولكنَّ النَّاس حين يقرأون هذه الآية قد تذهب أذهانهم في الذِّكر إلى التَّسبيح، وإلى الصَّلاة، وإلى الدعُّاء بالطُّرق التَّقليديَّة.
وتذهب أذهانهم أيضًا " فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ"، إلى الإنبهار بهذا الخَلْق وبكماله وجماله، ولا تذهب أذهانهم إلى أبعد من ذلك، لذلك نقول أنَّها آياتٌ غير مباشرة، لأن من يتعمَّق في هذه الآيات يجد أنَّ "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ"، تصف حالًا لا يمكن أن يُدرك وأن يُفهم إلَّا بأن تُصبح كلُّ حياتك ذكرًا، وأن تُصبح كلُّ حياتك ذكرًا هو أن يكون عملك ذكرًا، ومعاملاتك ذكرًا، وقراءتك لكلِّ ما تتعلَّمه ذكرًا، وأبحاثك ذكرًا، واختراعاتك ذكرًا، وخدماتك ذكرًا، كلُّ شيءٍ هو ذكرٌ لله.
و"خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" هو كلُّ العلوم، وكلُّ المعارف التي تظهر على هذه الأرض، والتي أنتجها من يذكرون، ومن يتأمَّلون في خلق السَّماوت والأرض.
بل أنَّنا حين نجد التَّعبير عن ناتج كلِّ هذا الذِّكر، هو أيضًا ممكنٌ أن نتأمَّله في الآية: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ..."[الفتح 29]، كيف ذلك؟.
حين نُكمل الآية، سوف نُوضِّح ذلك أكثر، ولكنَّنا في البداية أيضًا نُحبُّ أن نُوضِّح معنى: "أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ"، وهل هي تعني فترةٌ زمنيةٌ كان يعيش فيها مُحمَّدٌ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على هذه الأرض؟ وهل الآيات تصف أحداثًا تاريخيَّة، وأحوالًا زمنيَّة في أوقاتٍ سابقة؟ أم أنَّنا يجب أن نفهم أنَّها قانونٌ دائم؟
البعض يقرؤونها بسطحيَّتها على وصف حال مُحمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ في حال تواجده الزَّمنيّ الذَّاتيّ، ومن كان معه، ومعنى: "أَشِدَّاء" في فهمهم، أنَّهم يجاهدون الكفَّار، ويتراحمون بينهم من النَّاحية المادِّيَّة الحرفيَّة.
وهذا تفسيرٌ جائز، لا نستطيع أن ننكره، ولكن إذا أردنا أن نفهم كيف نُطبِّق هذه الآية اليوم؛ لأنَّ الآية فيها معنى عامّ، وهو ما يحاول البعض، بعض الغُلاة، تنفيذه بفكرهم، بأن يقتلوا كلَّ كافرٍ، وأن يرفعوا من شأن كلِّ مؤمنٍ ـ في نظرهم ـ، فنراهم يستحلِّون دم كلِّ من هو غير مسلم، فهكذا طبَّقوا هذه الآية في واقعهم.
فهل هذا ما نريد أن نُطبِّقه في واقعنا؟ ومن هم الكفَّار الذين سوف نكون أشدَّاء عليهم، هل هم كلُّ من لم يؤمن برسالة مُحمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ.؟ هذا في اعتقادنا غير جائز وفي نظر آخرين أيضًا؛ لأنَّ آيات القرآن قد فرَّقت بين من لم يؤمن برسالة مُحمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، وأهل الكتاب، والكفَّار.
فمن هم الكفَّار في هذه اللحظة، في هذا الوقت، في هذا الزَّمان؟ هل هم الملحدون، وكيف تكون شديدًا عليهم؟ إنَّك في واقع الحياة اليوم، لا تستطيع أن تَمسَّ إنسانًا بسوءٍ طالما هو في حاله، يعمل، يفكِّر، يعتقد، فأنت لست مطَّلعًا على ما في قلبه. هنا نجد أنَّنا أمام سؤالٍ يجب أن نُحدِّده، من هم الكفَّار في هذه الآية؟.
سوف نرى لاحقًا تفسيرًا عن وصف من هم مع مُحمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ. "... تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ..."[الفتح 29]، إذًا، هل كلُّ غير الرَّاكعين السَّاجدين الذين يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، هم الكفَّار؟
سؤالٌ إجابته: محتملٌ أن يكون هذا التَّعبير صحيحًا مع فهم معنى يركعون ويسجدون ويبتغون فضلًا من الله ورضوانا. هل هي في إقامة صلاةٍ شكليَّة، أو في أن يتحدَّثوا عن إيمانهم بلسانهم، وآخرون يُنكرون الأمر بلسانهم، عن أمورٍ دينيَّةٍ منسكيَّة. هذا يعني أن نصل إلى ما يفسِّره الغُلاة في أنَّ كلَّ من لا يُؤدِّي مناسك الإسلام بحرفيَّتها فهو كافرٌ، وهذا ما يتنافى مع ما بدأنا به، وما جاء في آياتٍ كثيرة.
لو أنَّنا فهمنا أنَّهم يركعون ويسجدون "يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا"، هو معنى لا ينصرف إلى شكل الصَّلاة الظَّاهرية، وإن كانوا يؤدُّونها كأسلوب حياة في إقامة صلةٍ مع الغيب، وتعبيرٍ عن متابعتهم لرسول الله، إلَّا أنَّ في هذا السِّياق، المقصود به أو ما نتأمَّله بمعنى أصحّ، أنهم يخضعون لقانون الحياة، فالرُّكوع والسُّجود هو خضوعٌ.
ونحن نتكلَّم كثيرًا في معنى الخضوع لقانون الحياة، وأنَّه معنى من معاني العبوديَّة لله، فمعنى ذلك أنَّ هؤلاء هم "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ"، وهؤلاء هم الذين يسيرون في الأرض فينظرون كيف بدأ الخَلْق، هؤلاء الذين يُعمِلون كلَّ طاقاتهم لخدمة البشريَّة، سواء بعلمهم، أو بعملهم، أو بدعائهم، بكلِّ شيءٍ، بكلِّ إمكانيَّاتهم، بكلِّ طاقاتهم؛ لأنَّهم علموا أنَّهم ما وُجِدوا على هذه الأرض إلَّا ليكونوا أداة خيرٍ للبشريَّة.
ويكون معنى الكفَّار هنا، هم الجاهلون الذين لا يقدِّمون شيئًا، الذين يتجمَّدون عند فكرةٍ ولا يريدون أن يتطوَّروا، الذين يُحرِّمون كلَّ شيء، والذين يُكفِّرون كلَّ شيء، ويُكفِّرون كلَّ إنسان، الذين يخفون الحقيقة، الذين يتستَّرون وراء الدِّين بظنِّ أنَّهم حُماتُه، وأنَّهم علماؤه، وبظنِّ أنَّهم المؤمنون الذين يدافعون عنه، والذين يُطبِّقون أحكامه، والذين يعلمون ما أراد الله، والذين يَحكُمون بما أنزل الله، والذين يُطِّبقون شرع الله، الذين يختفون وراء هذه الشِّعارات دون أن يكون ذلك في حقيقته منعكسًا على خدمة البشريَّة، أو أن يكون بنظرةٍ فاحصةٍ لشكل التَّطبيق لخدمة الإنسانيَّة، إنَّما يأخذون صورًا وأشكالًا غير صالحةٍ للتَّطبيق، ويلصقونها بأنَّها أمر الله.
وهناك تفسيراتٌ أخرى لآياتٍ الله التي عَلَّمنا الله أن نتأمَّل ونتدبَّر فيها، وأن نتواصى فيها بالحقِّ والصَّبر بيننا، وألَّا نأخذ صورةً واحدة ونقول أنَّها هي الحقُّ المطلق، وأن تكون منَّا أمَّةٌ تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتدعو بالخير، وتؤمن بالله، ومن هنا نعني أنَّ هناك تفسيراتٍ كثيرة، وأنَّه لنُطبِّق أيًّا منها علينا أن نتواصى بالحقِّ والصَّبر بيننا.
هؤلاء الذين يخفون الحقيقة، هؤلاء هم الكافرون الذين يحجبون الحقَّ، ويحجبون عن الإنسان أن يُفكِّر، وأن يتعلَّم، وأن يتدبَّر، وأن يبحث، وأن يُغيِّر، وأن يُطوِّر.
لذلك، نجد بقيَّة الآية تُعبِّر عن ذلك، "... ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ..."[الفتح 29]؛ لأنَّها هنا تُعلِّمنا أنَّ هذه المعاني  موجودةٌ في كلِّ كتابٍ أُنزِل "... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ..."[الفتح 29]، كلُّ هذا التَّعبير فيه تشبيهٌ بالنَّبات في نُموِّه بصورةٍ صحيحة، بجودة رَيِّه وتغذيته ورعايته، ليُصبح نباتًا طيِّبًا، وليُصبح شجرةً مباركة "... أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء"[إبراهيم 24].
وهو تعبيرٌ عن هؤلاء الذين يذكرون الله، الذين يركعون ويسجدون و"يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا"، هم يعملون، هم يزرعون، ونتيجة عملهم، هذه الشَّجرة المباركة، وهذا الزَّرع المبارك، الذي "... يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ..."[الفتح 29]، فالزَّراع هنا إشارة إلى أنَّ الموجودين على الأرض، ويعرفون في كلِّ العلوم، حين يرون نتيجة علمٍ قد طُبِّقت، وأينعت، وأثمرت، سوف يُقيِّمون هذا الفعل بأنَّه فعلٌ جيِّد، "يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ"، يعجب المُقيِّمون، يعجب المُحكِّمون، يعجب العلماء، يعجب الأسوياء، يعجب الصَّالحون، يعجب الفاهمون العالمون، يعجب العلماء، يعجب كلَّ إنسانٍ عنده علمٌ ومعرفة، وإدراكٌ وفهم، وتقديرٌ لما هو أحسن وأفضل.
هؤلاء حين يُقدِّرون هذا الفعل الصَّالح، هذا العمل الصَّالح، يغتاظ الكفَّار، يغتاظ الجاهلون الذين يحجبون العلم، الذين يقولون لا علم هناك، الذين يقولون أنَّنا فقط الذين نعلم، وأن كلَّ ما عليك يا إنسان أن تُطبِّق هذه الحرفيَّات التي نقولها لك، وهذه الأشكال التي نقول أنَّ عليك أن تمارسها، وأنَّ لا دين غير ذلك، وأنَّ لا رسالة بعد ذلك، وأنَّ لا فهم غير ذلك، هؤلاء المُتنطِّعون الذين يرون في فهمهم أنَّه كلُّ شيء.
الذين يحجبون الحقيقة ويظنُّون أنَّهم يُصلحون، وأنَّهم بمجرَّد قولهم هذا سيُغيِّرون، وسيجعلون الحال أفضل، والمجتمع أفضل. "... لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ..."[الفتح 29]؛ لأنَّهم سوف يجدون أنَّ أعمالهم لا تنفع، وأن هناك "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ"، يركعون، ويسجدون، يعملون، ويطوِّرون، ويبحثون.
هم يعملون ولكن قد يُخطئون، فيُصلِحون، فلذلك نجد باقي الآية "... وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم ..."[الفتح 29]، ماذا وعد الله هؤلاء؟ هل قال: "... أَجْرًا عَظِيمًا"[الفتح 29]؟ قال، ولكن قبل أن يقول ذلك قال: "... مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"[الفتح 29]؛ لأنَّهم بعملهم هذا، حين يُخطئون يستغفرون، ولا يتكبَّرون، ولِمَا أخطأوا فيه يُصلِحون، ولا يفعلون ذلك حبًّا لأن يُشكَروا، أويُكَرَّموا، أو يُشار إليهم بالبنان، إنَّما يفعلون ذلك لأنَّهم يدركون أنَّ هذا واجبهم، وأنَّ هذا طريقهم، وأنَّ هذه حياتهم، وأنَّ لهذا خَلَقَهم، فهذا معنى الإيمان الحقِّيِّ،"... وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"[الفتح 29].
وهنا نتعلَّم دروسًا كثيرة من هذه الآية، من هذه الكلمات القليلة التي تُعبِّر عن قانون الحياة، الذي تَعلَّمناه على مرِّ العصور والأجيال، قالته الآيات منذ أربعة عشر قرنًا لتُعلِّمنا أنَّ هذا هو القانون، وأنَّ هذه هي الحياة، أنَّ الدِّين هو ذلك، أنَّ [الدِّين هو المعاملة](1)، أنِّ الديِّن هو العمل، أنَّ الدِّين هو الإيمان الحقِّيّ، ليس بقول كلمةٍ.
هذا لم يقرؤه الكثيرون، قرؤوا قشورًا ولم يتعمَّقوا في معنى الآيات، ودلالاتها، وعمقها، وإدراك أنَّنا مخاطبون دائمًا، فلا يجب أن نقرأ آيةً موجَّهةً لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ولا نتفكَّر في كيف نُطبِّقها اليوم؛ لأنَّها كانت لرسول الله والذين معه.
معنى "رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ"، هو معنىً دائم، دائم في الحياة، وفي الوجود، في كلِّ مجتمع، وفي كل بيئة، وفي كلِّ دين، وفي كلِّ ملَّة في الشَّرق أو في الغرب، في الشَّمال أو في الجنوب، في كلِّ جنسٍ، لأنَّ الدِّين أُرسِل للكَّافة، أُرسِل بالفطرة ـ كما نقول ـ أُرسِل بما يتعلَّمه الإنسان من الحياة، من تجارب الإنسان في الحياة، من تجارب الأمم في الحياة، في وضع قوانينها، وفي أبحاثها، وفي علومها، في كلِّ شيءٍ فيها رسالةٌ دائمة، ورسولٌ دائم.
نسأل الله: أن نتفهَّم آيات الله، ونستغفر الله عن أيِّ فهمٍ خاطئٍ قد يُؤدِّي بنا إلى عملٍ خاطئٍ، نستغفره ونتوب إليه، ونطمع في رحمته، ونطمع في أنَّنا نرجع إلى الحقِّ إذا تبيَّن لنا، وأن نُغيِّر أحوالنا دائمًا من حالٍ إلى حال، ومن قيامٍ إلى قيام.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
________________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: أنَّ كلَّ آيةٍ في كتاب الله، هي قانونٌ دائمٌ على هذه الأرض، وعلينا أن نتأمَّل في كيفيَّة تطبيقه في حياتنا اليوم، لا أن ننظر إليه على أنَّه حدثٌ قام في سابقٍ وفي ماضٍ؛ لأنَّنا بذلك نفقد الصِّلة مع الآية، ولا نفتح قلوبنا لأن يصل إلينا معناها ومغزاها.
إنَّما علينا ونحن نقرأ آيات الله في كتابه، وفي الآفاق، وفي أنفسنا، وفي كلِّ رسالةٍ لنا موجَّهة بأيِّ صورةٍ من الصُّور، أن نفتح قلوبنا وعقولنا، ونتساءل: كيف نُطبِّق هذا الفهم في حياتنا، وفي وجودنا؟ وكيف يتحوَّل هذا الفهم إلى تطبيقٍ في كلِّ مناحي حياتنا، من علمٍ، ومن عملٍ، ومن تعاملٍ، ومن كلِّ أمرٍ نؤدِّيه؟ وضربنا مثلًا بالآية التي أشرنا إليها: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ"، كتعبيرٍ عن أنَّها قانونٌ دائم، ورسالةٌ دائمة، علينا أن نقرأها بعمقٍ ونتأمَّلها.
وأعطينا مفهومًا وتأمُّلًا قد يُخطئ وقد يُصيب، بل أنًّه ـ كما نقول دائمًا ـ أنَّ كلَّ ما نراه صوابًا اليوم ربَّما يتغيَّر عندنا في مستقبلٍ، فيكون هناك ما هو أصوب منه، فندرك أنَّنا لا نقول بذلك الكلمة المطلقة، أو الفهم المطلق، إنَّما هو فهمٌ إن أردت أن تُطبِّقه فستطبِّقه بما فهمت مما قلنا، ومما فهمت مما قرأت، فهذه مسئوليتك، وهذا أمرك، هكذا نقول دائمًا.
نسأل الله: أن يوفِّقنا أن نكون أداة خيرٍ لأنفسنا، ولمن حولنا، ولمجتمعنا، ولأمَّتنا، ولأرضنا، وأن نكون أهلًا لرحمة الله، ولكرم الله، ولفضل الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فَّرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنَّا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
____________________

(1)    مقولة للإمام علي بن أبي طالب: (الصلاة عادة، والصوم جلادة، ومعاملة الناس هي العبادة)."



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق