الأحد، 11 مايو 2014

الثلاثية المتلازمة: إيمان، عمل صالح، أجرٌ وحياةٌ أبدية




حديث الجمعة
 10 رجب 1435هـ الموافق 9 مايو 2014م
السيد/ علي رافع

        حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
        نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، طالبين هدايةً ورحمةً ومغفرةً، وأن نكون ممن هداهم الله ووفقهم، إلى الصراط المستقيم وإلى الطريق القويم. "...الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ"[فصلت 32:30].
        حين نتأمل في هذه الآية، أو في هذه الآيات، نجد أن الحق يكشف لنا قانوناً من قوانين الحياة، كشفته آياتٌ أخرى للتأكيد وللتوضيح، "..خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"[التين 6:4]، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3:1]، هؤلاء لا يكونون في خُسر، ولكن يكونون في كسبٍ وحياةٍ حقيةٍ أبدية.
        حين ننظر إلى هذه الثلاثية المتلازمة، من الإيمان، "...قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ..." مع "...وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..."، "...ثُمَّ اسْتَقَامُوا..."، "..تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"، "...أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"، لن تكونوا في خُسر، "...فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ..."[البقرة 62]، إيمان، عمل صالح، أجرٌ ــ حياةٌ أبدية.
        الأمر الوسط هنا، هو العمل الصالح، الذي يربط بين الإيمان وبين الحياة الأبدية ـ العمل الصالح على هذه الأرض. لذلك، كان العمل الصالح، هو كل معاملات الإنسان على هذه الأرض، كل عباداته، كل حركاته وسكناته، كل أفعاله، كل أفكاره، كل أذكاره، كل حياته.
        والعمل على هذه الأرض، إما أن يكون عملاً فردياً، وهذا ما يخص الإنسان في ذاته، في أفكاره، وحركاته، وانفعالاته، ورغباته، في رؤيته للآخرين، ونظرته لهم بحبٍ أو كره، بسلامٍ أو بحقدٍ وكراهية، بأن يتمنى لهم ما يتمناه لنفسه، ولا يكون في قلبه ذرة حسدٍ أو حقدٍ أو كراهية، في التزامه باتجاهه إلى الله بالدعاء، ليطلب قوةً ورحمةً وهداية، حتى لا يصدأ قلبه، [إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإن جلاؤها لذكر الله](1).   هذا، أمرٌ خاصٌ به، إذا أراد أن يكون قلبه حياً، فعليه بمداومة الذكر.
        هذه أمورٌ محلها الإنسان، في علاقته مع قلبه، وعقله، وذاته، وجوارحه، وضميره، واعتقاده، ومفهومه في حياته فيما هو قائمٌ عليه وفيما هو قاصدٌ له.
        والجزء الآخر من حياة الإنسان، هو في معاملاته مع الآخرين، فيما يقدمه لهم، وفيما يأخذه منهم، وكيف يكون عادلاً في عطائه وأخذه. وهنا، يدخل العمل الجمعيّ، ليتوافق الناس في مجتمعاتهم، على كيف يتعاملون، وكيف يحاسبون، وكيف يتحاسبون. وهنا، يكون الإنسان مسئولاً بأن يقدم ما يعتقد أن فيه الخير له ولمجتمعه. وهذا، هو الجزء الذي تتحدث عنه الآية "...وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ".
        فهذا، جزءٌ من العمل الصالح، أن يتواصى الإنسان بالحق وبالصبر مع إخوانه في المجتمع. وهنا، عليه أن يحاسب نفسه فيما يقدمه ويأخذه من الآخرين، يُقيم الوزن بالقسط، ولا يُخسر الميزان. عليه أن يحاسب نفسه في كل معاملةٍ مع أي كيانٍ في مجتمعه، وفي بيئته، وفي عالمه، مع أخيه الإنسان، ومع كل الكائنات التي خلقها الله، إنه بذلك يكون فيمن عمل عملاً صالحاً. وهو ليكون كذلك، يؤمن بأن هناك قوةً غيبيةً تساعده على ذلك، يوم يتجه لها.
        لذلك، نجد أن هذا العمل الصالح، يسبقه دائماً دعاء، "...الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ..."، آمنوا بأن هناك ربٌ يرعاهم، ويجيب دعاءهم، "...الَّذِينَ آمَنُوا..."، آمنوا بأن هناك من يدعوهم إلى الصلاح والفلاح، "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..."[غافر 60]، يطلب منهم أن يتجهوا إليه بالدعاء ـ لا لشيء ـ لأن اتجاههم هذا هو الدال على إيمانهم بهذه القوة الغيبية، وأن قانون الحق يجيب من يفتح قناةً بينه وبين ربه، وهذا هو قانونٌ من قوانين الحياة.
        فحين ننظر على أرضنا ــ ولله المثل الأعلى ــ فإنك لا تستطيع أن تعطي العلم رغماً عن الطالب، لو أن طالب العلم لا يطلبه ــ ولا نقول عنه طالباً في هذه الحالة ــ إنما لو أن أي إنسانٍ لا يريد علماً، ولا يريد مساعدةً، هل يستطيع أي إنسانٍ أن يعطيه شيئاً، إن السر دائماً، في رغبة الإنسان، في طلب الإنسان.
        لذلك، فالدعاء هو الأساس، أنك تشعر باحتياجك إلى الله، بطلبك لله، بافتقارك إلى الله، بلجوئك إليه، بتوكلك عليه، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ"[فاطر 15]. لذلك، كان الإيمان بالغيب والإيمان بمستقبل الإنسان وحياته الأبدية، أساسٌ لمَدِّ الإنسان بالعون وبالطاقة اللازمة لمساعدته في حياته الأرضية، ليعمل عملاً صالحاً، "...مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً...."[البقرة 62]، لا خوف عليه.
        لذلك، نجد دائماً الإيمان بالله واليوم الآخر، بآياتٍ كثيرة، لأن هذا هو الأساس الذي يجعلك على هذه الأرض، تعمل عملاً صالحاً. فإن لم تكن تؤمن بقوة الغيب وتأثيره عليك، فكيف تدعوه، وكيف تلجأ إليه؟ وماذا تفعل حين تجد نفسك عاجزاً عن أن تقيم ما ترى أنه الحق، وأن نفسك الأمارة بالسوء تدعوك إلى ما لا ترضاه، إلى من تلجأ؟ إلى من تطلب قوة تساعدك؟ سوف تجد نفسك منساقاً في اتجاهٍ ولا تجد عوناً، لأن العون لن يجيئ لك إلا إذا طلبته، وإلا إذا رجوته.
        وكيف أصلاً سوف تحاسب نفسك، وتشعر بأن هذا الطريق ليس طريقاً صالحاً إذا لم تكن تؤمن باليوم الآخر والحياة الأبدية، وأن كل ما تفعله سينعكس عليك إيجاباً وسلباً؟ إن لم تكن تؤمن بهذه القضية أصلاً فلماذا سوف تفرق بين حالٍ وحال؟ إن فطرتك الإنسانية هي دافعٌ لك لهذا التفريق، ولكن نفسك الأمارة بالسوء أيضاً، سوف تدفعك في الاتجاه الآخر، وأنت في حاجةٍ إلى قوةٍ غيبية ليميل الميزان إلى الجانب الذي تؤمن به فطرتك التي فطرك الله عليها.
        هذا التناغم والتوافق، بين الإيمان بالغيب متمثلاً في الإيمان بالله واليوم الآخر، وبين الإيمان بالشهادة متمثلاً في العمل الصالح، هو الذي يجعلك تتوازن على هذه الأرض. وهذا ما نقرأه في آيات الله لنا، لعلنا نفهم هذا الحديث المُوَجَّه لنا، وأن تمس هذه الآيات قلوبنا وعقولنا، فنستقيم كما أُمِرنا، نؤمن بالله، ونعمل عملاً صالحاً، فيكون لا خوفٌ علينا في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
        عباد الله: نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يساعدنا على ذلك، وأن يمدنا بقوةٍ من عنده، تساعدنا في حياتنا وفي كل معاملاتنا.
        فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
_______________________
       
        الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
        عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن العمل الصالح، ينتج من إيمانٍ بالله واليوم الآخر. وليستمر الإنسان في عملٍ صالحٍ، فعليه أن يلجأ إلى الله، وليعلم أن العمل الصالح هو كل ما يقوم به على هذه الأرض.
        فإذا كان كل ما يقوم به على هذه الأرض فيه معاملةٌ مع الله، وفيه تفعيلٌ لكل طاقاته وإمكاناته، وفيه توازن في عطائه وأخذه، فيه كرمٌ في العطاء، وفيه مراقبةٌ في الأخذ ـ فإن هذا الذي يعمله على هذه الأرض، هو الذي يساعده أن يكون حياً عند ربه يُرزق بعد مغادرة هذه الأرض.
        فعلينا، ونحن نقرأ آيات الله لنا، أن نتفهَّمها، وأن نتأملها، وأن نتعمق في دلالتها، حتى تساعدنا أن نعمل عملاً صالحاً، لأن هذا العمل الصالح، هو الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الإنسان وقادمه.
        نسأل الله: أن نكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأن نكون حقاً في طريقه سالكين، ولوجهه قاصدين، ومعه متعاملين، وعنده محتسبين.
        اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
 اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
        اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
        اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
        اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
        اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنبا إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
        اللهم اجعنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
        اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
        اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].


_______________________________

(1)  حديث شريف أخرجه الطبراني بنص :"إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار".

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق