الخميس، 29 يوليو، 1999

تعاليم الإسلام والتطور الروحى - كيف نكون عبادا لله ؟

عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تقصدون وجه الله، ويا من تبحثون عن الحقيقة، ويا من تريدون أن تتعلموا قوانين الحياة..
حديث الحق موجه إليكم في كل صوره وفي كل تجلياته.
فيما جاء من كتاب الله، ومن كتب الله، وفيما جاءت به رسل الله، وفي آيات هذا الكون..
حديث متصل لا ينقطع كلما استمعتم إليه كلما عرفتم أكثر وكلما اقتربتم من الله أكثر..
‏"قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا" (الكهف 18: 109)
إن دين الفطرة يحث الإنسان أن يتعلم وأن يبحث في كل شئ وألا يقف عند شئ.
‏"يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان"(الرحمن55: 33)
والمحك الرئيسى فى البحث عن العلم هو "الاستطاعة": هل تستطيع أن تخوض فى هذا الأمر أو لا تستطيع. إذا كنت تستطيع أن تخوض فى أمر، فهذا يستلزم منك أن تكون محيطا بجوانبه وأن تكون مدركالأبعاده. فإذا لم تكن عندك هذه الرؤية وهذه الإحاطة فلا يجب أن تخوض فى هذا الأمر. هنا بحثك يكون ضربا من التخمين والظن، والظن لا يغنى من الحق شيئا.
إذا نظرت إلى دينك وجدت أن الله قد خاطبك في آياته وخاطبك بلغتك وبقدرتك، كذلك فعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:
‏" أمرنا أن نخاطب الناس علي قدر عقولهم "
فجاءت الآيات لتبين للإنسان قانون الحياة، وجاءت أحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وفعله ليوضح للناس كيف يسلكوا ويطبقوا هذه القوانين. ووجب علي الإنسان أن يفكر فيما أعطاه الله وفيما أمره به وفيما كشف عنه. هذا البحث، وهذا التأمل هو الذي يقوده إلى الحقيقة التي يجب أن يلتزم بها ، لذلك فإنّا نقول دائما إن الدين منهج حياة وليس شكلا وليس صورة. وهناك فارق كبير بين أن أفهم الدين كمنهج وبين أن أفهمه كصورة جامدة.
وآيات الحق تعلمنا أن الدين منهج.
‏"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (المائدة 5: 48)
وما معني الشريعة إلا أنها منهج يسير الإنسان عليه.
وأن أنظر إلى الصوم كمنهج يختلف عن أن أنظر إليه كصورة أو كشكل.
وأن أنظر إلى الصلاة كمنهج يختلف عن أن أنظر إليها كصورة أو كشكل.
وهكذا في كل الأوامر والنواهي.
فكيف يكون الفرق في النظرة؟ وما هو تأثير النظرة والفهم علي عمل الإنسان وسلوكه؟
إن الهدف الرئيسي الذي كشفة لنا دين الحق هو شهادة أن لا اله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله.
والمنهج هو لنحقق هذا الهدف وهذا ما نراه ظاهرا في دنيانا كعلاقة بين الهدف والمنهج.
وكل عمل دنيوي - ونضرب هنا الأمثال لأن المثل يقرب هذا إلى أذهاننا فالظاهر مرآة الباطن - تريد أن تحققه تضع الهدف الذي تريد أن تحققه في هذا العمل. تريد أن تبني بنيانا كبيرا، أو تصنع آلة، أو تزرع أرضا، هذا هدف تريد أن تحققه، المنهج هو الأسلوب الذي سوف تحقق به هذا الهدف لذلك وجب عليك أن تتعلم العلوم التي لها علاقة بهدفك وتضع خطة توصلك إلى هذا الهدف.
في حياتك المعنوية هناك هدف واحد لوجود الإنسان علي هذه الأرض.
‏"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات 51: 56)
‏" ولتصنع علي عيني " (طه 20: 39)
‏"واصطنعتك لنفسي" (طه 20: 41)
هدفك علي هذه الأرض أن تكون عبدا لله. وأن تكون عبدا لله هو أن تشهد أن لا اله إلا الله حقا شهادة بالقلب والعمل وبالسلوك وليس فقط باللسان. وانعكاس هذا الهدف في حياتنا المادية يظهر في أشياء كثيرة..
‏"فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام له"‏ ‏(البقرة2: 256)
‏"يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" (لقمان 31: 13 )
‏"يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله" (لقمان 31: 16)
فهمك وعلمك يكون بتعاملك مع ما ترى أنه الحق وأنه الخير.
تعاملك مع الله، احتسابك عند الله، هذا هدف. فالإنسان ضعيف والإنسان فيه نفس مظلمة والشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم. هدفك أيضا أن يكون كمالك بإقتدائك برسول الله صلوات الله وسلامه عليه فهذه هي شهادة أن محمدا رسول الله.
‏"لكم في رسول الله أسوة" ( الأحزاب33: 21)
‏"فاتبعوني يحببكم الله" (آل عمران 3: 31)
‏"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليم" ( النساء 4: 65)
هذا أيضا هدف يريد الإنسان أن يصل إليه. وهدف شهادة أن لا اله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله هو هدف واحد لأن القيام الأمثل لمن شهد أن لا إله إلا الله هو أن يكون مقتديا برسول الله.
‏"أأجعل لك كل صلاتي يا رسول الله - إذن يكفي همك ويغفر ذنبك"‏
‏"لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه"
لذلك نجد أن أركان الإسلام تبدأ بهدف، أولها هدف نريد أن نحققه والأربعة أركان الأخرى هي وسائل نريد أن نحقق بها هذا الهدف، هي منهج.
فالصوم منهج. بعض الناس تري أن العبادات هي طاعات مجردة وليست وسائل، والواقع أن معني الطاعة لا يؤدي إلى إلغاء معني الوسيلة. فأنت تطيع لأن في هذه الطاعة كسبك، ولأن في هذه الطاعة طاعتك لقانون الحياة، وهذا ما نعرف به الإسلام دائما: الإسلام أن تسلم لقانون الحياة.
ونجد في حياتنا الظاهرة المثل الذي يوضح لنا ذلك، فالذي يعرف العلوم كلها أو بمعنى أصح الذي يعرف العلم، الذي ينزه ما يهدف إليه بقدر ما، يكون أفضل من الجاهل به.
فحين يخضع الإنسان لأسباب الحياة وعلومها فهو في طاعة لقانون الحياة. وطاعته تؤدي به إلى أن يكسب أكثر، وأن يصل إلى هدفه، أما إذا تمرد الإنسان علي قانون الحياة فكيف سيصل إلى هدفه؟ يريد أن يزرع.. هل يستطيع أن يخترع قوانين أخرى لنمو النبات وغذائه؟
إن طاعته لقانون الحياة هي التي تجعله قادرا علي أن يزرع طرحا وأن يحصد ثمرا لأنه عرف القانون، فالطاعة هنا هي الطريق الوحيد الذي يسلكه الإنسان.
ولا يجد أي إنسان عاقل غضاضة في أن يخضع لقانون الحياة، وإنما يكون هدفه أن يبحث عنه وأن يتعلمه ويعرفه، هكذا العبادات التي أمرنا بها فالصوم هو طاعة من الطاعات لقانون الحياة، الصوم هو أن تتجرد عن ذاتك، أن تتجرد عن شهواتك، أن تكبر إرادتك، أن تحيي حقيقتك، أن تعيش بقلبك، أن تعيش بروحك، أن تعيش بنورك، أن تعيش بأمانة الحياة فيك، أن تعيش بسر الله فيك، أن تعيش بروح الله فيك، وأن تضع ذاتك جانبا لتكون أهلا لرحمات الله ونفحاته. إنك لا تستطيع أن تجابه ظلام نفسك وتقهر شيطانك إلا بعون من الله وبرحمة من الله وبفيض من الله وبنور من الله وبقوة من الله، ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول:
"ما منكم من أحد إلا ومعه شيطان، قالوا وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم" وكيف تكون أهلا لرحمات الله وأنت قابع في ذاتك المظلمة؟ وأنت متبع شهواتك النفسية المظلمة كيف تكون أهلا لرحمات الله إلا بان تلقي هذا الجلباب المظلم وتعيش بروحك مجردا.
‏"فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى" (طه 20: 12)
إن النعلين هنا ليس الحذاء وإنما نفس الإنسان وظلامها.
إنه منهج لو قمت فيه وفعلته لتغير حالك وتغير قيامك.
‏"من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"
وكيف يغفر ما تأخر؟ لأنه أصبح في صلة دائمة بالله وأصبح معرضا وجوده لنفحات الله. عرف كيف يقوم في ذلك. فإذا عرف كيف يقوم بذلك لن يرجع عن ذلك.
فكيف لمن ذاق العلاقة بالله والتعرض لنفحات الله أن يرجع لذاته لأن ذاته! إن ذنبه بعد ذلك هو ذنب من نوع آخر، ومن شكل آخر، لكن الآلية.. آلية الوصلة الدائمة بالله والتعرض لنفحات الله يغيره دائما إلى الأفضل وإلي الأحسن.
هل عرفنا معني الصوم لنا منهجا نعيش به في كل حياتنا، ونرمز له في شهرنا حتى تكون رسالة لمن بعدنا دائمة.. رسالة الصوم ومنهج الصوم؟
‏"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (البقرة 2: 185)
عباد الله: نسأل الله أن نكون أهلا لرحمته وأن نكون صائمين حقا محتسبين عند الله حقا معرضين وجودنا لنفحات الله حقا.
عباد الله: إن ديننا قد كشف لنا عن قانون الحياة، وكشف لنا عن هدفنا من وجودنا علي أرضنا، كما كشف لنا عن الوسائل التي تمكننا من أن نحقق هذا الهدف، هدفنا أن نكون عبادا لله شاهدين أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولنصل لهذا الهدف علينا أن نجاهد أنفسنا، وأن نقيم صلة بربنا، وأن يكون لنا قبلة، وأن تكون أعمالنا الدنيوية تعاملا مع الله فهذا في واقع الأمر ما هو موجود في الأركان الأربعة الأخرى.
الصلاة صلة بين العبد وربه، والصوم مجاهدة النفس وتعرض لنفحات الله، والحج هو اقتراب من القبلة، الزكاة تعبير عن أن كل ما نملك لله.
‏"الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" (البقرة 2: 3)
عباد الله: إن كل وسيلة من الوسائل هي في حد ذاتها هدف يريد أن يقوم فيه الإنسان حقا. وتحقيق الهدف الخاص بها هو في ممارستها والتأمل في معناها. وكلما قام الإنسان فيها أفضل، كلما تحسنت وسيلته. لذلك فعلينا أن نفهم أكثر في الوسائل التي كشف الله لنا وأن نمارسها وأن نحسن ممارستها حتى نقوم فيها حقا ، وقيامنا فيها حقا يقربنا من الهدف الأصلى وهو أن نكون عبادا لله.