الثلاثاء، 19 أكتوبر، 2004

تعاليم الدين .. أشكال أم معان!

  • (من خطبة الجمعة 10 ديسمبر 1999م الموافق 2 رمضان 1420للهجرة) 
 عباد الله..
"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى[1]
دين القيمة.. دين الفطرة دين العقل..
"العقل أصل ديني"[2]..
دين المحبة.. دين الأفضل والأقوم.. دين كل ما هو أحسن..
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن (العنكبوت 29: 46)
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة (النحل 16: 125)
إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. (حديث شريف)[3]
غلبه .. لأنه يبحث دائما عن الأفضل والأقوم والأحسن..
فهل نحن اليوم قائمون حقا في هذا الدين.. هل نحن اليوم مسلمون حقا..
بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء (حديث شريف)[4]
.. أين نحن من هذه المفاهيم الأساسية في دين الفطرة؟
أين نحن من التأمل العاقل المتدبر لكل ما جاء به ديننا؟
إنّا حين ننظر إلى ما أصبح الناس عليه، وصاروا إليه، وأخذوا يرددونه على أن هذا هو الإسلام، في كثير من الأحيان، نجد أنهم يتناقلون أمورا شكلية صورية، فنسوا ما وراء هذه الصور والأشكال، ما وراءها من معان حقية، وقيم روحية وأمور عقلية. لذلك فنحن في حاجة إلى أن نرجع إلى الأصول، فننهل منها، وإلى المعاني الحقية، فنتأملها. نحن في حاجة إلى أن نقرأ ديننا قراءة حقية.. قراءة نورانية.. قراءة متعمقة، نستخرج منها الضوابط الحقية، والقوانين  الروحية، والمعاني العلوية التي يدعو لها ديننا، ولا ننحرف إلى أمور فرعية، فتأخذنا بعيدا عن المسار الأصلي الذي هو قانون الحياة، والذي نتعلمه من كل ما جاء به ديننا. فديننا يكشف لنا عن قانون الحياة.. كما نتذاكر بذلك دائما. إن الإنسان في حاجة دائمة إلى قوة روحية، وإلى قوة معنوية، تساعده في حياته الأرضية، ومن أجل ذلك شرَع الله له ما يمكِّنه من إقامة هذه العلاقة الروحية. وكل العبادات ما هي إلا وسائل لإقامة هذه العلاقة بالقوى الغيبية، لتمد الإنسان بطاقات روحية وبطاقات معنوية..
والصوم تتجلى فيه هذه المعاني بصورة جلية، ففيه يعيش الإنسان بروحه، ويبتعد عن ذاته لساعات، يتدرب فيها على أن يعيش عيشة روحية. هذا التدريب يفيده أن يتلقى طاقة روحية، وفي نفس الوقت يتدرب على ترك الذات، حتى إذا جاءت لحظة الفراق لينطلق من هذه الأرض، وجد ذلك سلسا.. لا يتمسك بذاته الدنيوية، ولا بجسده الأرضي، إنما يلبي دعوة الحق، ولا يكون كمن قيل فيهم..
ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة (التوبة 9: 38)
 إنه يجيب الدعوة الحقية وينطلق ملبيا في حياته الأخروية..
لذلك نجد أن كل عبادة نقوم فيها هي تدريب للإنسان، وهي إعداد للإنسان، وهي مساعدة للإنسان. تساعده في حياته الأرضية، وتعدِّه لحياته الروحية. وهذا قانون الله الذي أوجد الإنسان عليه، وعلّم الناس جميعا من خلال رسالاته. هذا القانون:
"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم"(البقرة 2: 183).
فالصيام هو أحد الوسائل التي من خلالها يعدّ الإنسان نفسه، في إطار القانون الروحي الذي يحكم هذه الأرض..
إنها توجيهات كثيرة توجه الإنسان إلى ما يجب أن يكون عليه، وأن يقوم فيه حتى يكسب هذه الكرَّة وتكون كرة رابحة..
عباد الله..
إن لكل أمر حكمة، وهناك الحكمة الكبرى التي خُلقنا من أجلها..
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(الذاريات 51: 56)
وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني(طه 20: 39)
واصطنعتك لنفسي (طه 20: 41)
"ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان" (مقولة صوفية)
 لذلك يجب علينا أن نفهم كل شيء من خلال هذه الحكمة الرئيسية، ومن خلال هذا  القانون الحاكم. فكل شيء يصب فيه، لأننا في النهاية محصِّلة لأعمالنا، وعلينا أن ندرك أن أي خطاب وُجه لنا، هو وُجه لنا في هذا الإطار الكلي، لنكون عبادا لله صالحين. ويجب أن ندرك المغزى من وراء أي حديث، بصورة حقية. وما الشكل إلا وسيلة للمحافظة على الرسالة الموجهة إلينا، ويجب أن ندركها في هذا الإطار، ولا نغالي في الحرفية، ولا نغالي أيضا في الغيبية، إنما نتمسك بالمفهوم، الذي نرى أنه يؤدي للخير في حاضرنا، ويؤدي إلى الاستقامة في سلوكنا، ونعرف أن الأمر الوسط هو ما يرى الإنسان فيه خيره، ويرى فيه طريقه، داعيا ربه أن يوفقه في هذا الطريق، وأن يعلمه ما يجب أن يقوم عليه..
عباد الله..
إن كل إنسان مسئول، وعليه أن يتخذ قراره. ولن يعفيه من ذلك أن يسير، دون وعي، أو فهم، فآيات الحق تعلمنا ذلك..
إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا(البقرة 2: 166)
وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم (إبراهيم 14: 22)
فمسئولية الإنسان هي أساس من الأسس،  يجب أن ندركه، ويجب أن نتعلمه، وعلى كل إنسان أن يفكر فيما يفعله، وفيما يُقدم عليه، وهو بذلك مسئول عن فعله..
عباد الله..
إنّا نذكر أنفسنا دائما بأصول ديننا، وبالمسار الحقي، حتى لا ننجرف وراء أمور فرعية، تُبعدنا عن وجهتنا الروحية، وعن طريقنا الحقي. نرجع إلى أصول ديننا، فنقرأها قراءة متعمقة، حتى نتعرف على الأصل، وعلى الهدف، وعلى الاتجاه الذي نتجه إليه. ومن خلال هذا الهدف، نقرأ كل حديث، وكل آية، لنصل إلى مضمونها، وإلى الرسالة التي هي موجهة إلينا. هكذا نتعلم حقا، ونعرف تماما أن هذا أمر لا نستطيع أن نتخلى عنه، لأن كل إنسان مسئول، وكل إنسان راعٍ، فليس أمامه إلا أن يُعمل ما أعطاه الله، بقدر ما أعطاه، فيما يتعرض له، وفيما يتلقاه، حتى يصل إلى ما يستريح إليه قلبه، ويطمئن إليه عقله..
استفت قلبك … وإن أفتاك الناس وأفتوك (حديث شريف)[5]
وعليه أن يتدرب على ذلك، ويتعلم ذلك، حتى يكون عبدا لله حقا. هكذا يكون الإنسان مسلما حقا، ومؤمنا حقا، ومحسنا حقا. لا يمكن أن يكسب الإنسان شيئا إلا إذا بذل فيه جهدا، وإلا إذا حاول فيه بما أعطاه الله من إمكانات وطاقات..
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (البقرة 2: 286)
  1. هكذا أخرجه البزّار عن جابر في الجامع الصغير للسيوطي ضعيف. يقويه حديث صحيح عن أحمد ابن حنبل بلفظ "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق". صحيح
  2. قال صلى الله عليه وسلم: المعرفة رأس مالى، والعقل دينى، والحب أساسى، والشوق مركبى، وذكر الله أنسى، والثقة كنزى، والحزن رفيقى، والعلم سلاحى، والصبر ردائى، والرضا غنيمتى، والفقر فخرى، والزهد حرفتى، واليقين قوتى، والصدق شفيعى، والطاعة حبى والجهاد خلقى، وقرة عينى الصلاة. ذكره القاضى عياضى ـ وذكر الشوكانى أن آثار الوضع لائحة عليه ـ الفوائد المجموعة فى الأحاديث الموضوعة للشوكانى صـ326                                     
  3. أخرجه البخاري
  4. أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجة
  5. نص الحديث "استفت قلبك واستفت نفسك ثلاث مرات البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك. أخرجه أحمد والدارمي