الأحد، 26 نوفمبر، 2006

ذكر الله .. ماذا يعنى ؟

  • خطبة الجمعة 20‏ رمضان 1427هـ الموافق 13 أكتوبر 2006
بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الإمام/ علي رافع
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله  الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه. الحمد  لله  الذي هيأ لنا من أيامنا يوماً نجتمع فيه على ذكره، نتواصى فيه بالخير والصبر والحق بيننا، نذكِّر أنفسنا بما عاهدنا الله عليه، نتذاكر فيما ينفعنا وفيما يحيينا وفيما يخرجنا من الظلمات إلى النور، ممتثلين لأمر الحق لنا أن نتواصى بالحق وأن نتواصى بالصبر، من خلال هذا التواصي نُعمل ما أعطانا الله من نعمٍ كثيرة، من نعمة التفكر والتدبر، ونعمة التعبير عما يجيش في صدورنا، وعما يدور في عقولنا، يُذكِّر أحدنا الآخر بما فيه من الحق وبما فيه من الحقيقة، فكل إنسانٍ قد أودع الله فيه سره وسواه على ما هو عليه
" سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ،الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى  "(الأعلى 2،1)
" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا "(الشمس 8،7)
" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ "(التين 4)
" وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي "(طه41)
"وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي " (طه39)
كل هذه الآيات والأحاديث نشير إلى كمال خلق الإنسان، وإلى استكماله لكل المكونات الأساسية التى تجعله قادراً أن يسلك طريقه، وأن يتخذ قراره، وهذه التسوية مستمرة فى حياة الإنسان

"اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى "(الزمر42)
فالله يتوفى الأنفس في منامها، يكمل تسويتها، ويكمل تدريبها، ويكمل إعدادها، فالذين يتفكرون في خلق السموات والأرض  يقولون:
" رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "(آل عمران 191)
ولكننا في مجتمعاتنا لا نعترف بهذا، بل أن لسان حالنا يقول أن خلقتنا باطلة، وأن تفكيرنا باطل، وأن إرادتنا باطلة، وأن كل رغباتنا باطلة، وأن الدنيا كلها باطلة، فكيف نكون من الذين يتفكرون وحالنا كذلك؟  
إن نَـمَّ هذا عن شيء فإنه ينم على أننا لسنا من الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم،  ينم على أن مجتمعاتنا وأمتنا ليسوا من الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلي جنوبهم، وإن كانوا يقومون الليل، وإن كانوا يرتادون المساجد، وإن كانوا يصلون القيام، وإن كانوا يصومون الدهر، فما يجب أن يؤدي بهم ذلك إلا أن يقدِّروا ما أودع الله فيهم من سره، لا أن يفرطوا فيما أعطاهم الله من سره. الذين يذكرون الله حقاً قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض يجب أن يكون راسخاً عندهم:
 " رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً "(آل عمران 191)
ربنا ما خلقت هذا الوجود باطلاً،ربنا ما خلقتنا باطلاً، ربنا ما أوجدت فينا عقولنا باطلاً، ربنا ما أوجدت فينا قلوبنا باطلاً، ربنا ما وهبتنا من قدرةٍ على العمل باطلاً، ربنا إن كل ما أعطيتنا لم تعطه لنا باطلاً، حتى ما أوجدت فينا من رغباتٍ وشهوات ما أوجدت فينا هذا باطلاً، إنها حكمتك، وإنها إرادتك، علينا أن نتعلم كيف نتعامل مع كل ذلك.
إن الدين يكشف للإنسان كيف يتعامل مع نعم الله عليه، كما يتعامل مع ما قدَّر الله عليه. ولكن الإنسان حين يفرط في أمر نفسه، ولا يكون من الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم،  حاله تصفه هذه الآية:
 " فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ "(الفجر 19،15)
" كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ " (الانفطار 9 )
فكان هذا حالكم، وإذا كان هذا قيامكم فأنتم تكذبون بالدين:
" وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا " (الفجر18-20)
هذا حالكم يوم تكونون غير ذاكرين، يوم تكونون غير مقدِّرين لنعم الله عليكم ولابتلاء الله لكم،غير مقدرين لكل هذا العطاء، سواء كان  مظهره نعم أو كان مظهره عذاب و نقم.
إن أمر الله لكم ليس أمراً مفروضاً عليكم بمعنى القهر وبمعنى القوة، وإنما أمر الله لكم هو أمر كاشفٌ لما فيكم من سره .. إن كل ما أمر به الله موجودٌ في داخلكم، إنكم يوم تسمعون كلام الله حقاً، سَتُؤمِّنون عليه، ستجدونه في قلوبكم، ستجدونه في فطرتكم لأنه كاشفٌ لعطائه لكم، ينفذ إلى أعماقكم .. لقد نسيتم ما عاهدتم الله عليه بانشغالكم في أحوالكم، في معيشة أجسادكم على أرضكم، وهذا ما رمزت له الآية:
"وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا" (طه 115)
إنه القانون الذي يتكرر في كل آدم يوجد على الأرض، في كل ابن آدم يوجد على الأرض، فكل ابن آدم هو آدم لأنه يرث صفات آدم، ولكن لا يجب أن تيأسوا من ذلك:
"فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ .." (البقرة 37)
"ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى"(طه 122)
فهذا طبيعي أن ينسى الإنسان، ولكن ما فيه من إمكاناتٍ وطاقات، وما فيه من نعمٍ وقدرات تُمكِّنه من أن يرجع إلى الطريق القويم، وأن يسلك الطريق المستقيم ، لذلك فالأمر الأساسي هو أن تُعملوا ما أعطاكم الله، وهذا هو المنهج الحقي:
" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " (الذاريات 56)
وتحت يعبدون كل الحياة، كل العمل، كل العلم، كل الذكر، فأنت تعبد الله يوم تُعمل عقلك، وتفكر في آلائه حولك وفي داخلك، وتعلم أن عليك أن تستقيم مع هذه القوانين التي تحكم حياتك .. وأنت تعبد الله يوم تسبح باسمه الأعلى:
"وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى " (الأعلى 15)
يوم تذكر وتكرر معاني الحق فيك، ومعاني الحق التي يجب أن تكون عليها، وأن تقوم فيها .. وما كل العبادات إلا لنذكِّر أنفسنا بهذه المعاني، نرددها في قلوبنا وفي داخلنا، مع وعيٍ ونحن نكررها ونرددها، حتى تتحول إلى واقعٍ نعيشه ونقومه .. عبادة الذِّكر هو أن تعمل بما ترى أنه الخير وأنه الحق وأنه الصواب وأنه الأفضل وأنه الأحسن وأنه الأقوم، وأن تقيم العدل:
" وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ" (الرحمن7-9)
وضع الميزان في وجودك، فيما فيك من ضمير، ميزانك فيك، فانظر كيف تتعامل ومع من تتعامل، انظر ماذا تعطي وماذا تأخذ، انظر في كل ما يصدر عنك، وما يقع عليك، وحاول أن تقيم الميزان في وجودك، في أعمالك، في أحوالك .. عبادة العمل.
وهناك إذاً عبادة الفكر، وعبادة الذكر، وعبادة العمل، وكل هذا ينبع منك، وهذا هو الإيمان الحقيقي، الإيمان الذي ينبع من الإنسان، ما يعتقد الإنسان حقاً، لا ما يقوله له الآخرون، لا ما يقوله له الآخرون أن اعمل كذا ولا تفعل كذا، لا ما يقوله له الناس دون وعيٍ ودون فهم .. الإيمان هو ما ينبع من الإنسان بعطاء الله له حتى ولو كان بسيطاً إنما ينبع من داخله .. فالقول بأن اللهم ارزقنا إيمان العوام، لأنه إيمانٌ نبع من قلوبهم، ومن عقولهم البسيطة، ولكنه نبع من داخلهم ، فكثيرٌ من العلماء يتحدثون ولكن ما يتحدثون به لم ينبع من داخلهم، لم ينبع من عقولهم وقلوبهم، إنما ينبع ويصدر ترديداً لأقوالٍ سمعوها وحفظوها وقالوا عنها علم، والذي لا يردد العلم ليس بعالم. إن من يردد العلم هو ناقلٌ له، إنما العالم هو الذي يصنع العلم، والمؤمن هو الذي يصنع الإيمان، ولا نطلب الكثير فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإنما يرشدنا الله أن بالقليل الذي نملكه نستطيع أن نصل إلى الكثير، نصل أن نكون مؤمنين حقاً .. ينبع هذا من قلوبنا ، لا ينبع عن خوف أو عن إكراه ، لا يكون نتيجة لأننا نخشى أن يرمينا الناس بالكفر أو بغير ذلك أو بأي شيء فنردد ما يردده الناس حتى يقولوا عنا مؤمنين، لأن ما يقوله الناس هو ظاهرٌ لا يعلمون باطن الإنسان، ولأن واجبهم أن يحكموا بالظاهر ولكن هذا لن يغير في قيمة الإنسان، فلن يجعل الظالم عادلاً، ولا الكافر مؤمناً، فلا يجب أن ننظر إلى ما يقوله الناس علينا أو عنا فهم لا يعلمون ما في قلوبنا وما في عقولنا ، وإنما يجب أن نعكس البصر إلى داخلنا لننظر من نحن؟ ما هي إرادتنا؟ ما هو هدفنا؟ ما هي قضيتنا؟ فالدين ديننا، الدين قضية كل إنسانٍ فينا بما أودع الله فيه من سره من قدرته.
عباد الله : نسأل الله أن يجعلنا عباداً له صالحين، عرفنا معنى العبادة حقاً، وقمنا في معنى العبودية بعقولنا، وقمنا في معنى العبودية بقلوبنا، وقمنا في معنى العبودية بأجسادنا ، هدفنا وأملنا أن نكون عباداً له صادقين، وأن نكون أهلاً لرحماته، وأهلاً لنعمه، وأهلاً لأن يكملنا، وأن يجعلنا أفضل وأقوم وأحسن، وأعلم وأتقى وأطهر .. هذا أملنا وهذا هدفنا.
فحمداً لله، و شكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم هو أن آيات الحق تعلمنا وترشدنا وتوضح لنا أن الله قد خلق الإنسان فسواه:
" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " (الشمس 7-10)
"سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى " (الأعلى 1-3)
فالإنسان فيه الخير وفيه الشر ، فيه الحق وفيه الباطل ، فيه النور وفيه الظلام:
" .. أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى " (طه 50)
وفيه هداية الله، فيه ما وهبه الله من إرادةٍ ومن عقلٍ ومن تقديرٍ ومن رؤيةٍ، فالإنسان خلق كبير:
" وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر "
الإنسان فيه كل شيء، فيه الكون كله، كل ما في الإنسان سوف يتفاعل معه، فإما أن يصل إلى إيمانٍ عميق وينجو، وإما أن يصل إلى تفكيرٍ مضاد ويهلك، ولا ينفعه أن يكون مقلداً، فالتقليد لن يجعله في أعلى عليين، والتقليد لن يمنع عنه أن يكون في أسفل سافلين، وليس للإنسان إلا معنى الله فيه، إلا سر الله فيه، إلا عطاء الله له، وعليه أن يجتهد بما أعطاه الله حتى يكون في أعلى عليين
"وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " (سورة العصر1-3)
والإيمان لا يكون بالترديد ولا يكون بالتقليد، وإنما الإيمان ينبع من داخل الإنسان، من عقل الإنسان، ومن قلب الإنسان، ومن عمل الإنسان، ولنبحث عما نؤمن به، ما هو إيماننا ؟ ما هو مقصودنا ؟ ما هي قبلتنا ؟ ما هي وجهتنا؟ ما هو طريقنا؟ فلنبحث عن هذا في أنفسنا حتى نكون حقاً مؤمنين، وأن نجاهد بأجسادنا في كل ما هو خير وفي كل ما هو حق حتى نكون من الذين عملوا الصالحات. هكذا نصبح في طريق الله، نتحول ونتدرج من مقامٍ إلى مقام، ومن حالٍ إلى حال، إلى الأفضل والأحسن والأقوم.
عباد الله: ارجعوا البصر إلى داخلكم، وانظروا إلى أعماقكم، ماذا تريدون وماذا تطلبون وماذا تقصدون؟ ما هو هدفكم وما هي قبلتكم وما هي وجهتكم؟
عباد الله: اتجهوا إلى الله، واسألوه عوناً، حتى تعرفوا كيف تتواصلوا مع سره فيكم، وكيف تخرجوا ما فيكم من معاني الحياة، وكيف تكونوا أحياءً عند ربكم ترزقون.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوجه إليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، نسألك الحق كل الحق والنور كل النور.
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا، جعلت لكل شيء سبباً، وجعلت لنا من دعائك سبباً، ونحن نتبع سبباً، نسألك الخير كل الخير لنا وللناس أجمعين، والحق كل الحق لنا وللناس أجمعين.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا. 
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ " [آل عمران 193]