الثلاثاء، 16 يناير، 2007

اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم) ليس تقليدا لصور وأشكال بل استقامة فيما هو أفضل وأحسن للإنسان على ما يشهد المجتمع

  • 30 ربيع أول 1427هـ الموافق 28 أبريل 2006   
خطبة الجمعة للسيد علي رافع
حمداً لله، و شكراً لله، و صلاةً و سلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً نتواصى فيه بالحق والصبر بيننا، نتدبر فيه أمور حياتنا، ونتدبر فيه أمر ديننا، حتى نكون أكثر صلاحاً، وأكثر فلاحاً، وحتى نكون فيمن قيل فيهم:
" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " [العصر 3] .
عباد الله: إننا في مجتمعنا اليوم، وفي أمتنا، وفي أرضنا، نجد الكثير من التناقضات ومن المواقف المتباينة، ليس في ديننا أو في أمة المسلمين فقط، ولكن كذلك في كل الأديان وفي كل الأمم، ونحن نستخدم لفظ الأديان هنا لأن هذا هو مصطلحٌ تعارف الناس عليه، أما في مفهومنا الحقي فليس هناك إلا دينٌ واحد، دين الفطرة ودين الحياة .. كل هذه الأمم تتخبط بين نصوصٍ توارثتها، وتفاسير لها تناقلتها، وبين واقعٍ قد يتعارض أو تتعارض المصلحة فيه- كما يراها الإنسان اليوم- وبين هذه التفسيرات. وعلماء الأمة والأمم- هم أنفسهم- لا يستطيعون أن يتخذوا موقفاً يساعد الناس في حياتهم وفي سلوكهم وفي معاملاتهم، وفقهاء الأمة هم فقهاء نقل، ينقلون عن القدماء، ويتصورون أن ما قاله السلف هو كل الدين، هم غير قادرين على أن ينظروا إلى مصلحة الأمة اليوم، ويرجعوا إلى الأصول، ويستخرجوا منها ما يساعدهم على أن يكون لهم موقف يتناسب مع مصلحة الناس، ومقاصد الشريعة التي خُلقت من أجل الناس.
 وتعريف الفقيه عند ابن عربي مثلاً، هو أنه الذي يستطيع أن يستنبط وأن يستنتج، وأن يتعمق في القراءات وفي النصوص، حتى يستخرج منها ما يناسب الإنسان في حاضره، وليس هو الذي ينقل عن الآخرين أو يردد أقوال الآخرين، فالناقل ليس بفقيه، والفقيه ليس بناقل. الفقيه هو من يستطيع أن يُعمل ما أعطاه الله من نعمة العقل فيما بين يديه، حتى إذا وصل إلى نفس الحكم السابق، يكون ذلك مبنياً على قدرته على استخراج هذا الحكم  مما بين يديه، هذا عائقٌ نشهده اليوم في مجتمعاتنا. عائقٌ آخر يحول بين هؤلاء العلماء وبين أن يقوموا بدورهم، هو تجمد المفهوم عن علاقة العبد بربه، وعن مفهوم الدين بالنسبة للإنسان - هذا يعوقهم إعاقةً كاملة عن أن يخطوا خطوةً إلى الأمام - فالعلاقة بين العبد وربه هي علاقةٌ تعلو عن شكلٍ يتصوروه، بين سيدٍ وعبدٍ كما يروهم في هذه الحياة الأرضية، فأمر الله إلى الإنسان هو كاشفٌ عن قانونه، وطاعة العبد لربه هو تطبيقٌ للقانون.

 والقانون يوم ننظر إليه نجده قانوناً محكم، فَلِيَتَحقق أمرٌ، يجب أن تتوافر لهذا الأمر أسبابه المختلفة. فإذا أردنا أن نزرع شجرةً، نريد أرضاً صالحة وبذرةً صالحة وجواً صالحاً وماءً صالحاً ورعايةً مستمرة، فإذا نقص أي سببٍ من هذه الأسباب، لم تخرج الشجرة بالصورة الكاملة. والإنسان كذلك من الناحية الروحية، فهو يحتاج أن يكون أرضاً صالحة، أرضاً طاهرة، نفساً زكية .. في هذه الأرض يكون قلبه فيه ذرةُ وبذرةُ الحياة، يعيش في جوٍ صالحٍ، في جماعةٍ صالحة، ويتعرض لنفحات السماء، فيتلقى ماءً طاهراً. فإذا كان الإنسان ليس مُعداً، وكان قلبه ميتاً، فمهما تعرض لماءٍ ولنفحاتٍ، فلن يؤثر هذا فيه. فإذا كانت العبادات هي التعرض لنفحات الله، ولكن الإنسان قلبه غير حي، فعباداته لا قيمة لها، ومهما عددها وأحصاها، فهي لا قيمة لها.
 وتطبيق الإنسان لقانون الله، هو تطبيقٌ متكامل يحتاج إلى علم، يحتاج إلى معرفةٍ، أما إذا سطحنا المعارف، وجعلنا عبادة الله على حرف -كما يحدث الآن - فلا نستطيع أن نتقدم خطوةً إلى الأمام، سوف نأخذ من الآيات حروفاً وأشكال منعزلةً بعضها عن بعض، ونتصور أننا بهذا نطبق قانون الله، كمن يروي أرضاً ليس بها بذور، ويقول إنني أطبق قانون الله. إننا في حاجةٍ إلى تغييرٍ جذري في مفهوم علاقتنا بالله، وأن نقرأ ذلك جيداً من نصوص قرآننا، حتى نتعلم كيف نكون عباداً لله.
إن هذا المفهوم في العقيدة، في شهادة أن لا له إلا الله، في شهادة أن محمداً رسول الله، هذا المفهوم الأساسي هو الذي يمكننا من أن نتغير، وأن نغير ما بأنفسنا .. هذان الأمران هما الأساس الذي يمكن أن نبني عليه، بل أنهما التطبيق الحقيقي- في مفهومنا- لشهادة لا إله إلا الله، ولشهادة أن محمداً رسول الله .. شهادة أن لا إله الله، هي التي تعطينا القدرة على الحرية وعلى الحركة وعلى التفهم وعلى الفهم وعلى العلم ، فليس هناك شكلاً نعبده، وليست هناك صورة نقدسها، وإنما هناك الله الذي ليس كمثله شيء، أوجد فينا سره، ونفخ فينا من روحه، وحمّلنا الأمانة:
"أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى " [طه 50]
علينا أن نُعمل عقولنا، وأن نتدبر نصوصنا، وأن نفهم علاقتنا بربنا. وعلينا كذلك أن نشهد أن محمداً رسول الله، وشهادتنا حقاً لمحمدٍ رسول الله، هو في أن نستقيم في أمرنا، وفيما أعطانا الله من نعمة:
" وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ " [الضحى 11]
" وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" [القلم 4]
نُعمل عقولنا وقلوبنا.
إننا في حاجةٍ أن نرجع إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإلى شهادة أن محمداً رسول الله، نرجع إليهما، فنحسن فهمنا فيهما، ونقوم فيهما حقاً. ومن هنا نبدأ تغييراً جذرياً في أمور حياتنا، وفي أمور معاملاتنا، حتى نكون حقاً أهلاً لرسالة السماء، وأن نكون بدايةً لخير أمةٍ أخرجت للناس، لا بالتعصب ولا بالعصبية، ولا بالأفضلية العرقية أو المكانية أو اللغوية، وإنما بالمفهوم الإنساني، بمفهوم دين الفطرة، دين الحياة، الذي هو دين كل إنسانٍ على هذه الأرض يريد أن يحيا، ويريد أن يكون حقاً في معنى العبودية لله.
نسأل الله أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن علينا أن نرجع إلى عقيدتنا، وإلى أول ما أُمرنا به، من شهادة أن لا إله إلا الله، فننزه علاقتنا بالله عن أي شكلٍ وعن أي صورة، وأن نفهم أن علاقتنا بالله هي في احترامنا لما أوجد الله فينا، فلا نفرط في عقولنا وفي قلوبنا وفي ضمائرنا وفي نعم الله علينا. نتعلم أن كسبنا لا يكون بالتقليد ولا يكون بالترديد، وإنما يكون في الإدراك وفي العمل، ولا يكون هناك إدراك إلا بالعلم والمعرفة، ولا يكون هناك أثر للعلم إلا بالعمل، إلا بتطبيق هذا العلم، وهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله، وشهادة محمدٍ رسول الله تعني تطبيق العلم الذي هو قانون الحياة، والذي نصل إليه بشهادة أن لا إله إلا الله.
 فشهادة لا إله إلا الله تفتح لنا آفاق العلم والمعرفة بلا حدود، فلا تقيدنا لشكل، ولا تقيدنا لرسم، ولا تقيدنا لإنسانٍ آخر:
" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله" [آل عمران 64]
هذا هو الأساس الذي ينطلق منه  الإنسان، إلى آفاقٍ رحبة من العلم والمعرفة، تجعله أكثر إدراكاً لمعنى وجوده ولمعنى حياته، تجعله يبحث عن كل ما يمكنه أن يعرفه على هذه الأرض:
" قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق".
 فإذا أردنا أن نطبق هذه المعارف وهذه العلوم، فعلينا أن نقتدي برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، إقتداؤنا به هو اقتداءٌ في المنهج وفي الأسلوب، أكثر من اقتداءٍ في الشكل والصورة، فسنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، يجب أن نقرأها قراءةً منهجية، ولا نقرأها قراءةً حرفية. قراءتنا المنهجية لها، تجعلنا ندرك كيف نطبق ما نصل إليه من العلم والمعرفة، ففي أمور الدنيا:
"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ " [الشورى 38]
و"أنتم أدرى بشئون دنياكم"
وتحدث مواقف كثيرة، يرجع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه عما قاله، يوم يستشير أصحابه، أو يوم تظهر تجربة تؤكد أن علينا أن نتخذ شكلاً آخر، فلا غضاضة عنده في أن يتبع ما هو أحسن وأفضل وأقوم،  فهو هنا يتجلى بصورته البشرية، وما محمدٌ إلا بشر، وهذا تكريمٌ للبشرية، ولكن في نفس الوقت يعلمنا أن علينا أن نعرف أن هناك أمورٌ مادية، يتغير الحكم فيها وتتغير الأحوال التي تتناولها، بمدى معرفتنا عن أمور دنيانا، فإذا عرفنا أمراً من أمور دنيانا، يوضح لنا أن الأفضل في أمرٍ كنا نجهله قبلاً، وكنا نقوم به قبلاً، علينا أن نتغير معه، وهذا هو اتباع سنة رسول الله صلوات الله سلامه عليه.
 وليس الإتباع هو أن نقلد تقليداً أعمى، إذا كانت هناك أمورٌ لا نستطيع أن نتبين فيها جديداً نشهده اليوم، فإن إتباعنا في هذه الحالة لما هو مقبولٌ عندنا من توجيهٍ نبويّ - هو في مقدار مفهومنا له - في صورةٍ، هي أفضل في مجتمعنا ولمجتمعنا، وهذا هو الإتباع الحقيقي. إن الإتباع الحقيقي ليس في مجرد ترديد كلماتٍ، هي بالنسبة لنا لا تعني إلا حروف، نريد أن نطبقها شكلاً وصورةً، دون أن نعي معناها ومغزاها.. إن إتباع سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، هي في الاستقامة فيما هو أفضل وأحسن للإنسان، على ما يشهده المجتمع، وعلى ما تشهده الأمة. وهذا هو معنى الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، لا في أنها تردد جميعها كلماتٍ جوفاء ، فهذه ليست أمة، إنها ببغاوات. أما الأمة التي تأمر بالمعروف، فهي الأمة القادرة أن تستوعب معنى الكلمات التي قالها لها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وتستطيع بتشاورها وتواصيها بالحق والصبر بينها، أن تصل إلى ما هو أحسن وأقوم، في إطار هذا المعنى الكلي، الذي هو خير البشرية، وخير الإنسانية، في حياتها الدنيا، وفي حياتها الأخروية.
عباد الله: إن علينا أن نخرج من هذا الإطار الضيق، الذي حصرنا أنفسنا فيه، وعلينا أن ننطلق في رحابٍ أوسع، نستطيع فيها أن نكون حقاً هذه الأمة، التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
نسأل الله أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك.
اللهم ونحن نطمع في رحمتك، ونطمع في جودك ونعمتك، ونطمع في فضلك وحكمتك.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم اكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم ألف بين قلوبنا            اللهم احيي قلوبنا
اللهم ألف بين أرواحنا          اللهم طهر أرواحنا
اللهم زكي نفوسنا              اللهم اثلج صدورنا
اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا.
اللهم كن لنا فيما نعلم، وفيما لا نعلم، وفيما أنت به أعلم.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا