الاثنين، 22 يناير 2007

وَمَا آتاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ ..

  • 23‏ ذو الحجة 1427هـ الموافق 12 يناير 2007
 خطبة الجمعة للسيد علي رافع
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه ..
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً متصلاً نتواصى فيه بالحق والصبر بيننا، نتذاكر أمور ديننا ونتدبر آيات الله لنا، حتى ندرك الحكمة التي وراءها، وحتى نقوم في استقامةٍ مع معانيها، لنحيا، لنكون عباداً لله، لنكون أهلاً لرحمة الله، لنسلك طريق الحياة ..
عباد الله : إن الدين لواقع، إن الدين لقائم، إن الدين حيٌ يتجدد ويتفاعل ويتعامل مع جميع معطيات الحياة.. الدين ليس أمراً مجرداً أو شكلاً محدداً أو صورةً ثابتةً، إنما هو كلمةٌ ألقيت على الإنسان لتنمو في الإنسان ..
إن التصور القائم عن الدين هو أنه مجموعةٌ من الأوامر أمر بها الله دون علة، وأن علينا أن ننفذها دون تساؤل ودون تفكير ودون اعتراض، هذا هو النموذج الذي يقدمه علماء الدين للناس بظن الإيمان وبظن تقدير الدين وإكباره، وهم يبنون هذا النموذج من خلال فهمهم لبعض الآيات مثل:

" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" [الحشر 7]

و"لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.. " [المائدة 101]

"أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ.. " [النساء 59] 
وهناك آياتٌ أخرى تحث الإنسان على أن يتفكر ويتدبر في كل شيء:
" الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " [آل عمران 191] 

" قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ.." [العنكبوت 20]
وأحاديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- التي توضح أن العبادة إن لم تكن في استقامةٍ فلا فائدة منها:
" كم من صائمٍ لم يأخذ من صيامه إلا الجوع والعطش "

" كم من مصلٍ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا "

" فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ " [الماعون 4-7]
 وهنا يجد الإنسان نفسه في حيرةٍ وفي تساؤلٍ، ما هو المقصود من كل ذلك؟ وما هو المطلوب من الإنسان؟ وما هو هدف الإنسان؟
 إننا لنفهم كل هذه الآيات بمفهومٍ لا يجعلها متعارضة أو متضاربة، علينا أن نفهم كل كلمةٍ قيلت بمدلولها وبمرادها، وأن نفهم معنى  "..وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا.."  و" ..لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.. " ومعنى "..أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ.. ". ما هي المعاني التي تحملها هذه الآيات؟
ما جاء به رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- هو الوسيلة التي تمكن الإنسان من أن يتجه إلى طريق الحياة.
"..وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.." لا تتركوه، تدبروه ولا تهملوه .. ومعنى الأخذ هنا هو الاستقامة في الأخذ، فليس معنى الأخذ فقط هو أن يأخذ الإنسان ظاهر الفعل أو ظاهر الأمر، وإنما الأخذ أن يتدبره وأن يتعلمه وأن يتفقهه وأن يقومه.
" آتَاكُمُ الرَّسُولُ" بمعنى التوحيد وبمعنى شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله، هاتان الشهادتان هما أساس العقيدة، لا تتركوهما، تفقهوا فيهما وتدبروا معانيهما، ولا يعني معنى الأخذ هنا أن تنطقوا بهما دون وعيٍ ودون فهم.
" آتَاكُمُ الرَّسُولُ" بمعاني الصلة بالغيب، وبمعاني الدعاء، وبمعاني الرجاء، وبمعاني طلب القوة وطلب الرحمة، وطلب التوفيق وطلب الهداية وطلب النور، فلا تتركوا هذا المعنى، عليكم أن تتعلموه وتتفقهوه وتتدبروه ..
" آتَاكُمُ الرَّسُولُ" بمعنى جهاد النفس الأمارة بالسوء، وبمعنى التعرض لنفحات الله، بمعنى الصوم، فلا تتركوه بل تدبروه وتأملوه وتفقهوه وقوموه.
" آتَاكُمُ الرَّسُولُ" بمعنى الإنفاق في سبيل الله، وبمعنى خلافتكم على ما تملكون وأن يكون إنفاقكم ليس فقط لحاجاتكم وإنما لحاجات الآخرين في تواصلٍ بينكم وبين بعضكم، فالناس جميعاً على هذه الأرض عليها أن تتواصل بالحق وبالخير، معنى العطاء ومعنى الإيثار ومعنى التعاطف مع الآخرين الذين يحتاجون، فتفقهوا في هذه المعاني وقوموها بحق وبصدق، ليس فقط في إخراجكم لزكاتكم وإنما لتكون هذه الزكاة معنىً أكبر تعيشونه في تواصلٍ دائمٍ مع كل من يحتاج إليكم في علمٍ أو في نصيحةٍ أو في تعاطفٍ أو في مساعدةٍ أو في خدمةٍ تستطيعون أن تقدمونها وتقوموا بها ..
 جاءكم الرسول بأن عليكم أن تكون لكم قبلة على أرضكم تتجهوا إليها، أن يكون لكم هدف من وجودكم تتجهوا إليه، هذا الهدف هو بيت الله، هو ذكر الله، هو نور الله، هو وجه الله، يجب أن يكون ذلك هدفكم في حياتكم، تتجهون إليه في صلاتكم، معنىً قائمٌ على أرضكم تستمدون منه قوتكم وتستمدون منه نوركم، فتفكروه وتدبروه وتأملوه.
"..وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.." خذوه بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، فإن لم تأخذوه بكل ما فيما أمركم به وتتعمقوا في مفهومه وتحاولوا أن تعيشوه وأن تمارسوه وأن تقوموه، فإنكم ما أخذتموه ..
"..وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا.." وقد نهاكم رسول الله عما نهاكم عنه الله:
" إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ.. " [النحل 90]
عليكم أن تتعلموا كيف تنتهوا عن الفحشاء والمنكر والبغي، فالانتهاء هنا هو سلوكٌ يجب أن تقوموا فيه وليس فقط في بعض المظاهر التي يتجلى فيها هذا الفحش وهذا المنكر وهذا البغي، فنحن نرى كثيراً من الناس، كثيراً من الحكام، كثيراً من الفقهاء، كثيراً من الذين ينتهون عن ظواهر هذا الفحش وهذا المنكر وهذا البغي، إذا جاءت الأمور في شكلٍ آخر، أو جاء الفحش في شكلٍ آخر في تعاملاتهم، في معاملاتهم لمحكوميهم، في معاملاتٍ ماديةٍ، لا يصلون إلى الانتهاء الحقيقي عن معنى الفُحش وإنما يعللون ويحللون ويفلسفون ما يقومون به من أعمالٍ هي أكثر فُحشاً من الأمور الأخرى، إن انتهاءكم هو انتهاءٌ يجب أن يكون قائماً على معنىً حقيقيٍ فيكم، ترون فيه أن هذه الأمور تبعدكم عن أن تحيوا وعن أن تكونوا أفضل وأحسن وأقوم، إنها تربيةٌ تصبح جزءاً من نسيجكم ومن وجدانكم ومن عقولكم ومن قلوبكم، تستطيعون بها أن تميزوا هذا الخبيث فلا تقعوا فيه، تدبروا كل ما نُهيتم عنه وتأملوه وتفكروه وتدبروه، حتى يصبح امتناعكم عنه جزءاً من وجودكم ومن سلوككم ومن قيامكم ..
و"..لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.. " .. هذا النهي غير مقصودٍ به أن تتعلموا ما تقومون به أو ما تأخذونه وما تنتهوا عنه، وإنما هو أن تسألوا عن أشياءٍ ليس لكم عليها مقدرة في الرؤية وفي الإحاطة وفي المعرفة، كأن تسألوا مثلاً: كيف نكون بعد هذه الأرض، وكيف يكون الله ؟ هناك أمورٌ كثيرة لا تستطيعون أن تتخيلوها وتتصوروها على أرضكم، ليست في محيط إدراككم، إن دخلتم في هذا الإطار وإن دخلتم في هذه الدائرة من الأسئلة التي تبتعد عن واقعكم، عن قائمكم، عن ما تدركون، عن ما تتصورون، عن ما تقدِّرون، فمهما شُرح لكم فلن تستطيعوا أن تتعلموها أو أن تقدروها، بل أنها قد تظهر لكم ـ بصورةٍ في محاولة التعبير عنها بمنطوقكم وبلغتكم ـ بصورةٍ قد تؤثر تأثيراً سلبياً عليكم، فتسوءكم وتخرجكم عن الطريق القويم.
 تعلموا أن ما أمرتم به وما نهيتم عنه له واقعٌ على أرضكم وله واقعٌ في تقديركم، تستطيعون أن تميزوا بين الخبيث والطيب، تستطيعون أن تميزوا بين ما أمرتم به أن تأخذوه وما أمرتم به أن تنتهوا عنه، له مقياسٌ في وجودكم ترجعون إليه وتقدِّرونه وتفهمونه .. والطاعة هي كالأخذ هنا، لا تعني طاعةً عمياء، وإنما طاعةٌ تحاول أن تتعلم مما تفعله وتتفقه فيما تفعله، فحين تطيع لا يعني هذا ألاَّ تفكر فيما تقوم به، ولا أن تتدبر ما تقوم به، وإنما عليك أن تتعلم مما تقوم به .. لذلك نجد أننا بمفهومنا لهذه المعاني بدلالتها العميقة الصحيحة في رأينا، فإن ذلك يجعلنا نتفكر في كل ما نقوم به، ونتدبر في كل ما نقوم به، ولا نأخذ الأمور كشكلياتٍ وكصورٍ، وإنما نأخذها كمعانٍ نريد أن نقومها، ونريد أن نعيشها.
 الدين هنا هو بذرة ألقيت علينا تنمو في صدورنا وتنمو في وجودنا من خلال ممارساتنا، ومن خلال فهمنا لها، وإدراكنا لأبعادها ولكيفية نموها ولازدهارها .. نحن أرضٌ ألقيت فينا بذرة الحياة، وجاء ديننا ليعلمنا كيف تنمو هذه البذرة فينا، كيف نرعاها وكيف نحتضنها لتنمو لتكون شجرةً طبية، تغير ما بنا وتجعلنا أهل صلاحٍ وفلاح. الدين ليس أمراً مجرداً أُلقي علينا، وإنما هو أمرٌ واقعٌ أُلقي فينا، لا ينمو إلا بممارساتنا، وإلا بتأملنا فيه وبتدبرنا له. لن نتغير ولن نتبدل إلى الأفضل إلا إذا مارسنا هذا الدور الذي أراده الله منا، أرادنا أن نكون عباداً له صالحين، أن نكون متدبرين، أن نكون متأملين، العبودية هنا في دلالاتها - كما نفهمها وكما نشرحها دائماً - ليس مجرد تأدية عبادات. كلمة العبادة ليست مجرد كلمات نقولها أن هناك إلهاً عظيماً يريدنا أن نقول كل يوم سبحان الله ولا إله إلا الله والحمد لله، لمجرد كلماتٍ نقولها تقديراً وتعظيماً له كذاتٍ قويةٍ مسيطرةٍ علينا.
إنما العبادة في معناها الحقيقي: هي أن نتعلم وأن نمارس وأن نتدبر وأن نسلك وأن نغير وأن نقبل قانون الحياة علينا، وأن نقوم من خلاله، إن هذا هو تقديرنا لله وتعظيمنا لله وإعلاؤنا لله، أننا نُسلِم لقانون الحياة، ونتعلم قانون الحياة، ونمارس من خلال قانون الحياة لأننا عرفنا وسلمنا أننا عباداً لله، أنه أقامنا من خلال قانونٍ أحكمه على أرضٍ خلقها، وكونٍ أحكم وجوده وأحكم قانونه، وأن نجاتنا من خلال أن نتعلم هذا القانون، وأن نتعرف على هذا القانون إذا أردنا أن نكون أحياءً، وأردنا أن نكون في وجودٍ أفضل، وجودٍ أحسن، وجودٍ أقوم.. وإذا لم نرد كذلك فليكن:
" .. فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ.." [الكهف 29]
من أراد أن يتخلى عن معنى الحياة وأن يرجع إلى أسفل سافلين فليكن هذا حاله وهذه إرادته:
" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ" [التين 4-6] .
عباد الله: ربما نصل في نهاية الأمر أن الإنسان في كلتا الحالتين ـ في الحال الذي نتكلم عنه وفي الحال الذي عليه الناس ـ سوف يكون كلاً منهما في نفس الشكل الظاهر، ولكن الاختلاف الجوهري هو في القيام بالأفعال وبالعبادات وفي المعاملات، وفي التصدي للقضايا التي تطرأ على الأمة، وفي مدى استيعاب الآخر وفي مدى القدرة على التغير إلى ما هو أفضل. لو أن الإنسان أتخذ أسلوباً أساسه الفكر وأساسه الفهم في أن الدين هو ممارسةٌ لمعنى الحياة في الإنسان، ولإقامة هذه المعاني بدلالاتها التي يدركها الإنسان، سوف يؤدي به هذا إلى موقفٍ آخر تجاه أمورٍ كثيرة.   
عباد الله : نسأل الله أن يوفقنا لما فيه صلاحنا، ولما فيه نجاتنا، وأن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن يجعلنا أهلاً لرحمته، وأهلاً لعلمه وحكمته ..
فحمداً لله، و شكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
 عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن الأسس التي يستند إليها البعض في الأخذ الظاهري بكل ما أمر به الدين ـ دون تفكرٍ ودون تدبر بمعنى الطاعة ـ فيه بعض اللبس، فيه بعض اللبس الناتج عن ترك معانٍ أخرى جاء بها الدين ليوضح معنى الطاعة، ومعنى أخذ ما أُمرنا به وما نُهينا عنه، اللبس ينتج عن فهم بعض الآيات بصورةٍ يتصور بها الإنسان أنه مطلوبٌ منه ألا يتفهم ما يقوم به، وأنه ليس مطلوبٌ منه أن يتفهم ما يقوم به. وربما يستخدم البعض مقولة الإمام جعفر الصادق في قوله (لِم ينشغل الناس بما أراد الله بهم  وقد طواه عنهم، ولا ينشغلوا بما أراده منهم وقد أظهره لهم) يتصوروا بذلك أن ما أراد الله من الإنسان هو هذه الأشكال وهذه الصور وهذه الكلمات التي يقولها، فيؤيدوا وجهة نظرهم بهذا القول.
مع أن معنى الانشغال بما أمر الله منا أو بما أراده الله منا هو أن ننشغل بما أمرنا به، ننشغل بما أراد منا، أراد منا أن نكون أحياءً، كيف نكون أحياءً؟ علينا أن ننشغل بذلك، أراد منا أن نمارس الوسائل التي تجعلنا أحياءً، أراد منا أن نكون أحراراً، أن نكون عباداً لله، كيف نكون كذلك؟ أراد منا أن نقتدي برسول الله، كيف نكون كذلك؟ أراد منا أن نكون في صلةٍ بالغيب، كيف نقيم هذه الصلة؟ أراد منا أن نجاهد أنفسنا، وأن نتعرض لنفحات الله، كيف نقوم في هذا الأمر؟ أراد منا أن نتواصى بالحق والصبر، وأن نتعاون بعضنا مع بعض، وأن يقدم الغني إلى الفقير والقوي إلى الضعيف، وأن يكون هناك صلة وأن يكون هناك تواصل بين أفراد المجتمع بالخير والفلاح والصلاح، كيف يكون ذلك؟ أراد الله منا أن تكون لنا قبلة، وأن يكون لنا هدف، وأن نتجه إلى هذا الهدف في كل قيامنا، وفي كل عباداتنا، وأن نقترب منه وأن نطوف حوله، وأن يكون هو مركز حياتنا، كيف يكون ذلك ؟ كل هذه المعاني أرداها الله منا، وانشغالنا بها هي كيف نقوم فيها حقاً، وكيف تطورنا حقاً، وكيف يكون لها أثرٌ في وجودنا وفي حياتنا.
 ما سنكون عليه، ولماذا خلقنا الله، وماذا سنؤول إليه، وماذا سيكون حالنا، ولماذا خلق الله هذا الكون بهذه الصورة وبهذا القانون وبهذا الشكل، ولماذا خلقنا لنفعل كذا وكذا وكذا؟ هذه أمورٌ لا نستطيع أن نجيب عليها وهذا ما أراد الله بنا، لا يجب أن ننشغل بهذه الأمور، لماذا يريدنا الله أن نحيا، لا نستطيع أن نجيب، وإنما نعرف تماماً أننا نحب الحياة وأننا نريد الحياة، وأن الحياة بالنسبة لنا أفضل من الموت، وأن هذا المعنى هو معنى راسخٌ في وجودنا، لذلك فإن الناس يكرهون الموت في ظاهره لأنه يرمز عندهم إلى الموت بمعناه الحقيقي، أما الذين أدركوا أن الموت الظاهري ليس موتاً حقيقياً وإنما هو انتقال من حياةٍ إلى حياة لا يهابونه وإنما يطلبونه، يطلبونه ليتحرروا من وجودهم على هذه الأرض، ولكن لا يتعجلونه لأنهم عرفوا أن عليهم أن يكسبوا من خلال وجودهم على هذه الأرض، نحن نعرف تماماً أن الله أودع فينا سره وأودع فينا روحه، وجعلنا نحب ما أراد لنا يوم نتجه إلى قلوبنا، ويوم نتجه إلى جوهرنا وإلى فطرتنا سوف نجد أن ما أراده الله منا هذا الذي نحبه، وهذا الذي نطلبه، وهذا الذي نرجوه ..
عباد الله: علينا أن نكون في معنى الإنسان الذي يعبد الله حقاً بالمفهوم الحقيقي للعبادة: وهو البحث في قانون الحياة، وفي أسباب الحياة التي نعيشها، وكيف نقوم فيها حقاً وصدقاً.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم ألف بين قلوبنا           اللهم أحيي قلوبنا
اللهم ألف بين أرواحنا        اللهم طهر أرواحنا
اللهم زكي نفوسنا             اللهم أثلج صدورنا
اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا.
اللهم كن لنا فيما نعلم، وفيما لا نعلم، وفيما أنت به أعلم.
اللهم فكن لنا في الصغير والكبير من شأننا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، وأعف عنا.  
اللهم
 " ..لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" [آل عمران 8]

ليست هناك تعليقات: