الثلاثاء، 24 ديسمبر، 2013

علاقتنا بالله هي في تفكرنا وتأملنا وتدبرنا في أسباب الحياة وقوانينها


        حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: تدبروا آيات الله، واذكروا الله كثيراً، واعملوا عملاً صالحاً لعلكم تفلحون. وقد أودع الله فيكم سره، وأودع فيكم قدراتٍ وإمكاناتٍ تَمَيَّزتم بها عن سائر الكائنات، [ما ظهر الله في شيءٍ مثل ظهوره في الإنسان](1).
الكائنات كلها، ما عدا الإنسان، لا تستطيع أن تغير ما بها وما حولها، تعيش بفطرتها التي فطرها الله عليها، تؤدي دورها على هذه الأرض. أما الإنسان، فقد أودع الله فيه قدرة التغيير، فهو يزرع، ويصنع، ويبني، ويُشيِّد، ويفكر، ويغير ما في نفسه، ويغير ما حوله.
كلما اقترب الإنسان من هذه القدرات والإمكانات وتفعيلها، كلما ازدادت إنسانيته. وكلما تخلى عنها، اقترب من الكائنات الأخرى التي لا تملك عقلاً، ولا قدرةً على التغيير لنفسها أو لعالمها.

ولذلك، كانت علاقة الإنسان بالله، هي من خلال ما أودع الله فيه من طاقاتٍ وقدرات، فأمره الله أن يسعى في الأرض وأن يغير ما بنفسه، ليساعده الله أن يغير ما حوله "...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..."[الرعد 11].
فالإنسان، عنده الأهلية أن يستقبل فيوضات الله، وأن يستقبل إلهاماً من الله، وعنده القدرة أن يُفعِّل هذا الإلهام وهذه الفيوضات، ويُحوِّلها إلى عملٍ صالحٍ نافعٍ له وللبشرية كلها. من هنا، كانت علاقة الدنيا بالدين، ليست علاقةٌ مفروضة، ولكنها علاقةٌ ضرورية، لأن ما يفعله الإنسان على هذه الأرض، له تأثيرٌ على حياته الروحية.
فإذا كنا نصف الدين، بأنه المنهج الذي يُقرِّب الإنسان من حياته الحقية ويُعلِي من شأنها، فالدنيا جزءٌ من هذا المنهج. ولكن الظن، في أن الدين هو مجرد نصوصٍ فُهِمت بأسلوبٍ معين، وتُفرض فرضاً دون النظر إلى الواقع، فهذا لا يمكن أن نصفه بأنه هو علاقة الدين بالدنيا.
فعلاقة الدين بالدنيا، ليست علاقة فوقية تأتي دون تفاعلٍ مع الواقع ومع الحياة، إنما هي علاقةٌ تبدأ من الإنسان ومن واقعه الحي، حتى تصل به إلى حياته الروحية، والمعنوية، والحقية. إنه يبدأ من نفسه، ويبدأ من عالمه، فيصل إلى الدين الحق.
وهذا، ما نراه في قَصص الرسل والأنبياء، فقد بدأوا بأنفسهم، ونظروا حولهم، فلم يقبلوا مجتمعاتهم، وما هي عليه من قصورٍ في النظر، ومن تقليدٍ أعمى، ومن تقاليدٍ لا قيمة لها، ومن أسلوب حياةٍ فيه ظلمٌ، وفيه استبدادٌ، وفيه قهرٌ، وفيه تمييزٌ. فيه صفاتٌ كثيرة، لا تقبلها الفطرة السليمة. كانت هذه البداية، التي بدأ منها كل نبيٍّ ورسول.
فنرى إبراهيم ــ عليه السلام ــ وهو يرفض ذلك، ويبحث عن ربه، ينظر حوله، ويفكر بعقله، يفكر في السماوات والأرض، ويفكر في حال قومه، فيرفض هذا الذي هم عليه، ويتجه إلى كل ما يراه في هذا الكون، باحثاً عن حقه وعن ربه، فيُسلِم وجهه لله، ويعلم أن الله غيبٌ، من وراء هذا الكون بإحاطته.
ونرى محمداً ــ عليه السلام ــ وهو يبحث أيضاً عن الحقيقة، فيختلي بنفسه، ويتأمل في خلق السماوات والأرض، فيستجيب الحق له، ويُوحي إليه ما يستريح إليه قلبه.
فالبدء يكون من الإنسان، والبدء يكون من عالم الإنسان، حتى بعد الرسالات، وحتى بعد الوحي. فَلِتفهم النصوص حقاً، عليك أن تنظر في نفسك، "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"[الذاريات 21]، وأن تنظر في عالمك، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20] ـ حتى تتعلم ما في هذه النصوص من معانٍ ومن مقاصد، توجهك إلى القبلة الصحيحة، وإلى الطريق القويم.
ونحن ندعو الله في كل صلاةٍ في الفاتحة، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ"[الفاتحة 6]، فالإنسان في حاجةٍ دائمة، إلى أن يدعو الله أن يهديه إلى الصراط المستقيم. ولو أن هذا الصراط المستقيم هو في التطبيق الحرفي لمفهوم السابقين في الآيات، وفي العبادات، وفي المعاملات ـ لأصبح لا داعي لأن ندعو الله دائماً أن يهدينا الصراط المستقيم.
وإنما لأن ما هو موجودٌ في النصوص، له مفاهيمٌ كثيرة، ويحمل وجوهاً كثيرة، ويتفاعل مع الواقع تفاعلاً إيجابياً، فإننا في حاجةٍ دائمة، أن ندعو الله أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن نُعمِل ما أعطانا الله من ملكاتٍ، لنتفاعل مع واقعنا ومع الناس حولنا، فيكون هذا، هو تطبيقٌ لعبادتنا لله، ولإقامة علاقةٍ مع الله. فلا تقوم العلاقة مع الله إلا بإقامة علاقةٍ مع خلق الله، ومع كائنات الله، ومع واقع الحياة.
إن ذلك، يُحفِّز العقول أن تفكر، وأن تتأمل، وأن تتدبر، وأن تبحث عن الحقيقة، وأن تبحث عن السبب والمُسبِّب، وأن تبحث كيف تغير الحال إلى أفضل وأقوم. إن هذه العلاقة، تُفعِّل القلب أن يتأمل ويتدبر أيضاً، فيما يستريح إليه، وفيما لا يستريح إليه، فيما يراه طريق الصلاح والفلاح، وفيما لا يراه كذلك، فيما يراه يؤدي إلى حياةٍ روحيةٍ أفضل، وفيما يراه أنه يجعله يرتد إلى أسفل سافلين.
هذا الإحساس القلبيّ، لا يُنَمَّى إلا بالتفاعل أيضاً مع الواقع، وهذا التفاعل مع الواقع، هو نوعٌ من الذكر الذي يساعد الإنسان أن يكون في حالٍ روحيٍ أفضل. وذكر الإنسان لوجوده وعلاقته بالغيب، وإحساسه واستحضاره لهذا المعنى، وارتباطه بهذا الغيب، هو وجهٌ آخر من وجوه الذكر، التي تساعد الإنسان أن يَتقبَّل هذه الحياة، وأن يعيش فيها، وأن يراها وسيلةً لكسبه في حياته الأخروية.
وكل هذا، يؤدي بالإنسان أن يعمل لتحقيق ما يرى أنه الخير، "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..."[آل عمران/104]، يتعرفون على الخير بعقولهم وقلوبهم. فإذا تعرفوا على الخير، استطاعوا أن يأمروا بما يؤدي إلى الخير، وهو المعروف، وما ينهى عن الشر، وهو المنكر، "...يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[آل عمران 104].
إننا بظن دينٍ في بعض الأحيان، ومن بعض الناس، نفقد عقولنا، ونفقد قلوبنا، ونفقد قدرتنا على العمل والتغيير، بظن إيمانٍ، وبظن تسليمٍ، وبظن فهمٍ جامدٍ لنصوصٍ تحمل معانٍ كثيرة، نحصرها في شكلٍ واحد، ولا نريد أن نُعمِل عقولنا.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لنا، ولبلدنا، ولأرضنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن علاقتنا بالله، هي في علاقتنا مع خلق الله، في علاقتنا مع كل الكائنات، مع إخواننا في البشرية، ومع كل مخلوقات الله الأخرى. أن علاقتنا بالله، هي في تفكرنا، وتأملنا، وتدبرنا، في أسباب الحياة وقوانينها، في كيف نعيش عيشةً كريمة، عيشةً صالحة، عيشةً طيبة.
من هذا التفكير، ومن هذا البدء بأنفسنا وبعالمنا، نقرأ آيات الله لنا، فنفهمها فهماً يتلاءم مع حالنا وواقعنا، يُصلِح حالنا ويجعله حالاً أفضل، بكل معايير ومقاييس هذه الحياة، وفي تعاملنا مع الله فيما نعمله، لنحقق ذلك، نعبد الله حقاً، ويساعدنا ذلك، أن نكون في علاقةٍ في الله أكرم وأفضل.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذاحالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.

 خطبة الجمعة 17 صفر 1434هـ الموافق 20 ديسمبر 2013م

     

_________________________

(1)           مقولة صوفية. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق