الاثنين، 6 يناير، 2014

أوجد الله في خلق الإنسان الفطرة التي تصبو إلى الحقيقة والقوى الدافعة لحركته على هذه الأرض


        حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: لقد جاءت رسالات السماء، لتكشف للناس قانون وجودهم، ومستقبل حياتهم، وترشدهم إلى طريقهم على هذه الأرض، طريقهم الذي يجب أن يسلكوه ليحققوا هدف حياتهم ووجودهم، وهو استمرار حياتهم بعد أرضهم، "...اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..."[الأنفال 24]، وجعلت البقاء في معنى الحياة بعد الانتقال من هذه الأرض، مرتبةً للذين يجاهدون في سبيل الله، "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169].
وأوجد الله في الإنسان هذه الرسالة بفطرته التي فطره الله عليها، إلا أن الإنسان بوجوده على هذه الأرض، وباحتياجاته ومتطلباته للبقاء عليها، انشغل بأسباب توفير هذه المتطلبات والاحتياجات، وفصل هذا الانشغال عن هدفه الأصيل الذي تواجد من أجله، وهذا أمرٌ طبيعي.

يوم خلق الله الإنسان، أوجد فيه هذه الفطرة التي تصبو إلى الحقيقة، كما أوجد فيه القوى الدافعة لحركته على هذه الأرض. وكان قانون الحياة ـ أيضاً ـ يحتوي على قانون التَعلُّم والمساعدة على العلم، "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]. فكانت الرسالات السماوية، لتُعلِّم الناس ما هو موجودٌ في فطرتهم، ولتشرح لهم هذه الدوافع، التي يمرون بها والتي تحركهم.
وأشارت الآيات، إلى صفات الإنسان، "إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ"[المعارج 22:19]، "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ"[العاديات 11:6]. كان هناك الوصف، وكان هناك السلوك الذي يُقوِّم اعوجاج هذا الحال في الإنسان.
فالإنسان في هذه الأرض، يتحرك باحثاً عن رزقه، وعما يساعده على الحياة وتَوْفِيَة متطلباته، وهو يتجه بكله لذلك، وهذا وصف "إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا"، فهو في قلقٍ دائم، وهذا القلق مطلوبٌ ليتحرك الإنسان.
ولكن إذا زاد عن حده، أصبح عاملاً مؤثراً على حياته الروحية والمعنوية، إذا جعله هذا الهلع يخرج عن الجادة، ويتعدى على الآخرين، أو لا يكون صادقاً في تعامله، ولا يكون أميناً في معاملاته. فإن هذا، انحرافٌ عن القلق المشروع، الذي يحثه على العمل الجاد، والعمل الصالح، والاجتهاد الدائم، ليسير على هذه الأرض مجاهداً، مجتهداً، باحثاً عن الحق والحقيقة.
ويتجلى هذا، في اختبارين: ينظر الإنسان كيف يكون حاله، إذا مسه الشر، وإذا مسه الخير.
ليعرف الإنسان مدى قلقه، هل وصل إلى مرحلة الهلع، أم أنه في المرحلة المسموح بها؟ فـ"إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا" ـ فإذا كان في المرحلة المسموح بها، اتجه إلى الله، وسأل الله قوةً، وسأل الله فضلاً، وسأل الله عوناً، حتى يمر من هذا الشر، وحتى يدفع الله عنه هذا الشر. أما إذا وجد الجزع يتملك منه، وينسى ذكر ربه، وينسى دعاء ربه، فعليه أن يعرف أنه في حاجةٍ إلى مزيدٍ من الدعاء، ومزيدٍ من الصلة.
وكذلك، إذا مسه الخير، فبدلاً من أن يكون أداة خيرٍ لغيره، كما أن الله جعله ومنحه خيراً، فإنه يكون مَنُوعًا، لأنه يخشى ويهلع أن يفارقه هذا الخير، فيعرف أنه أيضاً تجاوز المرحلة المسموح بها، فبدلاً أن يشكر الله على ما منحه، وأن يعطي مما أعطاه الله، فإنه لا يفعل ذلك، "...الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ..."[التوبة 34].
فإذا علم ذلك، ونظر إلى نفسه فوجد نفسه كذلك، فعليه أن يلجأ إلى الله أكثر. لذلك، نجد "إِلَّا الْمُصَلِّينَ" تتبع هذا الوصف للإنسان، أن الإنسان إذا كان في صلةٍ حقةٍ مع الله، فإنه سوف يلجأ إلى الله إذا مسه شر، ولا يجزع. وسوف يلجأ إلى الله أيضاً إذا مسه خير أن يوفقه أن يكون هو أيضاً أداة خير، فلا يمنع.
فعلاج هذا الحال، هو بالصلاة، هو بالدعاء، هو باللجوء إلى الله، "...يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"[لقمان 13]، "..إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ...."[لقمان 16]، [لو اجتمع الجن والإنس أن يعطوك شيئاً لم يكتبه الله لك، فلن يكون لك، وإذا اجتمعوا أن يمنعوك شيئاً لم يكتبه الله عليك، فلن يستطيعوا أن يمنعوه عنك](1).
نحن هنا، نفسر معنى، أن الإنسان موجودٌ فيه القلق والهلع، مما يجعله ينسى رسالته الأساسية، وهي اللجوء إلى الله، وهي أنه يتعامل مع الله، وأنه بدايةً ونهايةً، هو في تعاملٍ مع الله، وإن تعامل مع الناس، وإن تعامل مع القوانين الظاهرة له، فالله من وراء كل شيءٍ بإحاطته. فلا ينسى رسالته الأساسية التي جاء من أجلها، وهي أن يكسب هذه الحياة.
فكانت الرسالات السماوية، لتوضح ذلك، ولتُعلِّم الإنسان ذلك. ونحن نرى ذلك، متجلياً في الرسالة المحمدية، التي أكبرت الإنسان، وقدَّرت احتياجاته، وعلَّمته أن ما فيه من رغبات ليس سوءًا وليس شراً، ولكن الشر، هو في الانحراف بهذه المتطلبات والاحتياجات عن مسارها السليم والصحيح.
فعلمته، أن في الدنيا، ما يَكسب به في الله، "...لَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..."[القصص 77]. ونحن حين نقرأ هذه الآية، نتأملها، في أنك لا تنس نصيبك من الدنيا، أن تكسب من الله وفي الله، من تعاملك على هذه الدنيا. فأنت تبيع، وتشترى، وتصنع، وتزرع، وتبحث، وتطور، وتتعامل، وتأكل، وتشرب، وتسكن، وتتزوج، وتمارس حياتك الأرضية بكل ما فيها ـ وكل ذلك يمكن أن يكون كسباً لك في الله، إن قصدت به وجه الله.
ورسول الله يعلمنا ذلك، في حديثٍ ما معناه: أنك تجعل كل ما تنفق في أي مجالٍ صدقة، لو أنك تعاملت مع الله(2). وهنا التعبير في "صدقة"، أنها فعلٌ معنويّ، يزيد من قيامك الروحيّ، والحقيّ. فأنت وأنت تتعامل في حياتك اليومية مع أهلك، ومع مجتمعك، ومع الكائنات كلها، إن كنت تذكر الله دائماً، فكل فعلٍ هو تعبدٌ.
هكذا، جاءت الأديان لتوضح للناس طريقهم، ولتشرح لهم حالهم، ولتكشف لهم ما في قلوبهم، وما فطر الله الإنسان عليه، في داخله وفي خارجه. هكذا، نقرأ ديننا، ونقرأ رسائل السماء لنا.
ونسأل الله: أن يصحح لنا مفاهيمنا، وأن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، ومن الذين يرجعون إلى الحق، والذين يتوبون إليه، ويرجعون إليه، ويستغفرونه في كل لحظةٍ وحين، ويتعاملون معه في كل معاملة.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
__________________________

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان على هذه الأرض، خُلِق وفيه ما يدفعه إلى البحث عن رزقه واحتياجاته على هذه الأرض، خُلِق فيه أيضاً فطرته، التي فيها ما يرشده إلى حياةٍ أبدية. وبتواجده في هذا العالم، أصبح يتحرك مدفوعاً باحتياجاته، مما يؤثر على طريقه الروحيّ الحقيّ، وحياته الأبدية.
فكانت الرسالات السماوية، عوناً من الله، وكشفاً لحقيقته ـ حقيقة الإنسان ـ ليسلك الطريق الذي يجعله يحيا حياةً كريمةً على هذه الأرض، وتساعده أيضاً في حياته الأبدية. وهذا قانون الله الذي نتأمل فيه، نتأمل فيما حدث في تاريخ البشرية، وفيما يحدث كل يوم، فنجد هذه المعاني واضحةً جلية، فيما يحدث على هذه الأرض.
ونحن نقرأ ذلك، فإننا نعلم أننا قد نُخطئ في قراءتنا، فعلينا أن نُصوِّب هذه القراءة دائماً، ونعلم أننا قد نختلف في هذه القراءة بصورةٍ أو بأخرى، في تفاصيلها وفي تطبيقها، ولكننا يوم نرجع إلى فطرتنا، فسوف نجد أننا نجتمع جميعاً على مقاصد واحدة، "...تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64].
هكذا، نتعلم معنى الكلمة السواء، التي تبتعد عن تفاصيل اختلافنا، إلى مفهومٍ أعلى، وهو أننا نُكبِر الله، أن يكون طرفاً في أي اختلافٍ على أرضنا. الله أكبر، دائماً نرددها ونقولها، ويجب أن تعني عندنا الكثير، ليست مجرد قول، وليست مجرد شعار، إنها كلمةٌ كبرى، كلمة الحق، الله أكبر، والله أكبر، والله أكبر.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفقنا لما فيه صلاحنا، ولما فيه نجاتنا، ولما فيه حياتنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، صلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
 اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
 اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.

خطبة الجمعة 2 ربيع الأول 1435هـ الموافق 3 يناير 2014م

­­­­­­­­­­­­­­_________________

(1)  - حديث شريف نصه: "كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما قال يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ( رفعت الأقلام وجفت الصحف )". الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث:الترمذي، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

- "كنتُ رديفَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : يا غلامُ أو يا غليمُ ألا أُعلِّمكُ كلماتٍ ينفعكَ اللهُ بهِنَّ فقلتُ : بلى فقال : احفظِ اللهَ يحفظكَ احفظِ اللهَ تجدْهُ أمامك تَعَرَّفْ إليهِ في الرخاءِ يعرفكَ في الشدةِ وإذا سألتَ فاسألِ اللهَ وإذا استعنتَ فاستعنْ باللهِ قد جَفَّ القلمُ بما هو كائنٌ فلو أنَّ الخلقَ كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوكَ بشيٍء لم يكتبْهُ اللهُ عليك لم يقدروا عليهِ وإن أرادوا أن يضروكَ بشيٍء لم يكتبْهُ اللهُ عليك لم يقدروا عليهِ واعلم أنَّ في الصبرِ على ما تكرَهُ خيرًا كثيرا وأنَّ النصرَ مع الصبرِ وأن الفرجَ مع الكربِ وأنَّ مع العسرِ يسرًا". الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: أحمد شاكر، المصدر: مسند أحمد خلاصة، حكم المحدث: صحيح.

(2)   حديث شريف: "على كلِّ مسلمٍ في كلِّ يومٍ صدقةٌ، فقال رجلٌ: مَن يطيقُ هذا يا رسولَ اللهِ؟، قال إماطتُك الأذَى عن الطريقِ صدقةٌ، وإرشادُك الرجلَ الطريقَ صدقةٌ، ونهيُك عن المنكرِ صدقةٌ، وعيادتُك المريضَ صدقةٌ، واتباعُك الجنازةَ صدقةٌ، وردُّ المسلمِ على المسلمِ السلامَ صدقةٌ، وفي روايةٍ قال رسولُ اللهِ ــ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ــ: الإنسانُ ثلاثمائةٍ وستونَ عظمًا أو ستةٌ وثلاثونَ سُلامَى عليه في كلِّ يومٍ صدقةٌ، قالوا: يا رسولَ اللهِ فمَن لم يجدْ؟ قال: يأمرُ بالمعروفِ، وينهَى عن المنكر،ِ قالوا: فمَن لم يستطعْ؟ قال: يرفعُ عَظمًا من الطريقِ، قالوا: فمَن لم يستطعْ؟، قال: فليُهدِ سبيلًا، قالوا: فمن لم يستطعْ؟ قال: فليعِنْ ضعيفًا؟ قالوا: فمَن لم يستطعْ ذلك؟، قال: فليدعِ الناسَ من شرِّه" الراوي: أبو هريرة، المحدث: الهيثمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق