الثلاثاء، 11 فبراير، 2014

نريد أن نخرج من هذا التفكير النمطيّ، الذي يريد أن يجعل لكل سؤالٍ جواباً واحداً


حديث الجمعة
 7 ربيع الثاني 1435هـ الموافق 7 فبراير 2014م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: إنا نعيش لحظاتٍ فارقة في تاريخ مجتمعنا، حيث اختلطت أمورٌ كثيرة، وأصبح كلٌّ يؤيد فريقاً، وأصبح كلٌّ يرى في الآخر عدواً، مع أن طبيعة المجتمعات، وطبيعة البشر، أن يكون هناك اختلاف، وأن يكون هناك تعارضٌ بين وجهات النظر.
بل أننا نقول: أن الحق يوم أرسل آياته، أرسلها مُحَمَّلةً بمقاصد، وجعل تفسيرها يمكن أن يُختَلف فيه، لأن المقصود بكل الآيات التي جاءت في إطار التعامل البشري، هو القيم التي تحملها هذه الآيات.
فحين يخاطب البشر، ويعلمهم أن يقيموا العدل في معاملاتهم، وألا ينحرفوا في اتجاهاتهم، ويصف لهم حال الذين ينحرفون، "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3:1]، توجيهٌ للإنسان في المقام الأول، وتوجيهٌ للمشرع على الأرض ليضع القواعد التي تنظم ذلك.
وهذه القواعد، يمكن أن تتغير وتتبدل، يمكن أن تكون العقوبات التي تنتج عن عدم الالتزام في التعامل بين الناس متغيرة. المهم، أن يكون مقصدها هو العدل بين الناس، بالقدر الذي نستطيعه، والذي نستطيع أن ننفذه، وأن نراقبه، وأن نُفَعِّله. وهكذا، في كل الأمور.
حين يعتدي إنسانٌ على إنسانٍ بأي شكلٍ من الأشكال، سواء كان هذا الاعتداء على المال، أو على العرض، أو على النفس، فهو مُجَرَّم. وهذا أمرٌ فطريّ، وجاء في كل الرسالات السماوية، والآيات التي تشير أو قد تشير إلى طريقةٍ لتطبيق العقوبة لهذا الفعل، هي إشارةٌ وتأكيدٌ على المقصد، قبل أن تكون شكلاً جامداً يُنفَّذ بطريقةٍ واحدةٍ.
بل ـ أن أيضاً ـ كانت ممارسات صحابة رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ تحمل قدراً من الفهم في طبيعة هذه الأمور. فكان بعض ما فعلوه من اجتهادٍ، في أمورٍ معينة كانت مستقرة بشكلٍ ما، في حياة الرسول ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ كانت رسالةٌ من الله ـ أيضاً ـ تعليمية لنا، في أن نجتهد، وأن نُعمِل عقولنا.
بل أن هناك أموراً، كان الناس قد اجتمعوا عليها لقرونٍ، ثم جاء إنسانٌ مجتهد، فوجد أن هذا الإجماع ليس هو الحُكم الوحيد في قضيةٍ ما، وقد ظل المسلمون سبع قرونٍ لا يقبلون شهادة أهل الكتاب في أي قضيةٍ، ثم جاء شيخٌ مجتهد، ورأى أن هذا لا يجب أن يكون، فخرج برأيٍ مختلف(1).
ولو نظرنا إلى حالنا اليوم، إذا لم تكن هذه الآراء المختلفة في تاريخنا، وظللنا على ما نحن عليه منذ أربعة عشر قرناً، لكُنا أسوأ مما نحن عليه. فإذا كنا اليوم نعاني من بعض هذه الآراء التي يظن البعض أنها الدين، إلا أن الحال كان سوف يكون أسوأ كثيراً لو لم توجد مثل هذه الأحكام والفتاوى، التي ظهرت من البعض على مر تاريخنا، وإن كنا نحتاج إلى أكثر من ذلك في حياتنا المعاصرة.
نقول هذا، لنبين أن الله يوم أرسل آياته، لم يكن يريد أن يضعنا في قالبٍ واحد، أو في شكلٍ واحد، أو في صورةٍ واحدة، وإنما قال: "...جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13]، "...وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً..."[النحل 93].
والواقع والتاريخ يفسر ذلك، فما من أمةٍ على هذه الأرض تتبع ديناً معيناً ـ بتعريف الدين كما يصفونه ـ إلا ونجد أن فيها مذاهب كثيرة، بل أن المذاهب الوضعية، سواء كانت سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، نجد أن فيها مدارس كثيرة.
وكل مفكرٍ خرج بنظريةٍ جديدة، سواء كانت هذه النظرية اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، فإن الذين اتبعوه، انقسموا يوم تعرضوا لواقع الحياة والتعامل مع الحياة، فاضطروا إلى أن يفكروا ويخرجوا بآراءٍ متعددة.
بل أن التفسيرات العلمية للظواهر الكونية الغير محاطٍ بها، لها تفسيراتٌ مختلفة، ولها نظرياتٌ متعددة. بل أن القوانين التي ظلت تحكم حركة الأشياء وسرعتها، تغيرت يوم اكتشف الناس والعلماء، أن هذه القوانين لا تخضع لها الأجسام التي تتحرك بسرعاتٍ فائقة.
وإذا أردنا أن نعدد هذا الاختلاف ووجهات النظر المتعددة في الأمر الواحد، لما انتهينا، فكل شيءٍ على هذه الأرض، يقبل أن تكون له وجهات نظرٍ متعددة، في فهمه، وفي إدراكه، وفي تنفيذه.
لذلك، فنحن نريد أن نتعلم كيف نختلف وكيف نعارض، وأن نفهم أن هذا الاختلاف وهذا التعارض، هو تكاملٌ في حد ذاته، لأن هناك زوايا مختلفة لكل قضية، كلٌّ يرى هذه القضية من وجهة نظرٍ معينة.
وبالتحاور، والتوافق، وقبول وجهة النظر الأخرى، وتقديرها، ومعرفة الزاوية التي يُنظر إلى القضية منها ـ يمكننا أن نخرج بحلولٍ لأحوالنا ولمشاكلنا، تكون أفضل من أن تنفرد كل مجموعةٍ برأيها وتصر عليه.
بل أن الإنسان في حاله، وفي سلوكه، وفي محاولة معالجة نفسه، واضطرابها، وتذبذبها، وترددها بين الخير والشر، بين النور والظلام ـ هذه المعالجة لها طرقٌ متعددة.
فقد يرى البعض، أن على الإنسان أن يتجه إلى الله، وأن يدعو الله، ولا ينظر إلى نفسه وسوء عملها، وأن يطمع في عون الله ليعينه على هذا الحال.
وقد يرى البعض، أن على الإنسان أن يلوم نفسه، وأن يبحث عن عملٍ يعالج به هذا الحال الذي هو قائمٌ فيه.
وقد يرى آخرٌ، أن عليه أن يترك العنان لنفسه تماماً، وأن لا معنى لأن يلوم نفسه، أو أن يتجه إلى الله ليُصلِح هذا الحال، فهو لا يرى في نفسه ظلاماً، ولا انحرافاً، ولا اعوجاجاً، إنما يرى أن هذه طبيعة الحياة.
كل إنسانٍ له وجهة نظر، وينظر إلى الأمر من زاوية، ولا نستطيع أن نُخَطِّئ إنساناً، أو أن نقول أن الصواب المطلق هو ذلك، وإنما نقول: أن على كل إنسانٍ أن ينظر إلى الأمر، مما يعتقد هو أنه مناسبٌ له.
وهذه مسئولية الإنسان، هذه هي الأمانة التي حملها الإنسان، هذه هي الخلافة التي أشارت إليها الآيات، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]. فأنت مسئولٌ، "...كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته..."(2).
لذلك، فنحن نريد أن نتعلم ألا نسأل: ما هو الصواب؟ لأن الصواب ليس شيئاً واحداً. وإنما نريد أن نعرف كيف عالج العلماء والفقهاء هذه القضايا، وما هي رؤيتهم، وما هي رؤيتك، وما هي رؤية الآخرين؟ وهل نرى فيما هو معلومٌ لدينا من رؤى لقضايا معينة، نرى فيه ما نستريح إليه، أو أننا نبحث عن طريقٍ ورؤيةٍ أخرى؟
نريد أن نخرج من هذا التفكير النمطيّ، الذي يريد أن يجعل لكل سؤالٍ جواباً واحداً. وأن نعلم أن ليس هناك في المطلق إجابةٌ لأي سؤال، إنما كل سؤالٍ له إجاباتٌ متعددة، مما يعني أن أي إجابةٍ، هي إجابةٌ نسبية، وليست إجابةٌ مطلقة، وأننا نعيش في عالمٍ نسبي، فما نراه اليوم صواباً، قد نراه خطأً في الغد، وما نراه اليوم خطأً، قد نراه صواباً في الغد. فعلينا، أن نكون متفاعلين مع واقعنا. وهذا، معنى من معاني "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ"[الذاريات 6].
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، ومن الذين يرجعون إلى الحق، فالرجوع إلى الحق فضيلةٌ دائماً، وأن نكون من الذين يسألون الله، ويدعون الله، ويتوكلون على الله.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
__________________________

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم، وأن نتعلمه: هو تعدد الرؤى للقضية الواحدة، بتعدد زواياها، ولتعدد وجهات النظر، نظراً لأن كل وجهةٍ تنظر من زاويةٍ معينة، فنفس الشيء، ونفس القضية، ونفس المفهوم، له زوايا متعددة. قد يعتقد البعض أن هذا الشيء لا يوصف إلا بما يراه هو، بينما من زاويةٍ أخرى تكون الرؤية مختلفة.
فإذا قدَّرنا بعضنا بعضا، فسوف نقبل رؤية الآخر، وسوف يقبل الآخر رؤيتنا، وسوف نصل إلى فهمٍ أفضل لقضيتنا ولمشكلتنا، ومن ثم سوف نجد لها حلاً مناسباً لواقعنا، ولحالنا الآني. ولا يعني أن هذا الحل، هو الحل الصواب المطلق، وإنما هو حلٌّ نسبيّ، يحركنا خطوةً إلى الأمام، فإذا تغير واقعنا، ربما نجد حلاً آخر.
وهكذا، نتعلم التفاعل مع الواقع ومع الحياة، وأن نتعلم، أن الدين أراد بنا ذلك، ولم يرد بنا أن نُصَب صباً في قالبٍ لا نتحرك إلا فيه، وإنما أراد أن يحررنا من العبودية لبعضنا البعض، "...لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64]، وأن يحررنا من أن يتسلط بعضنا على الآخر، وأن يجعلنا دائماً لنا مقصدٌ أعلى، فإذا طبقنا، نطبق بما يناسب حالنا وواقعنا. وإنما اختلافنا، هو وسيلةٌ لأن نصل إلى أفضل ما يصحح طريقنا الحالي.
عباد الله: نسأل الله: أن يوقفنا أن نكون عباداً له صالحين، وأن نكون في طريقه سالكين، ولوجهه قاصدين، ومعه متعاملين، وعنده محتسبين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"[آل عمران 8]. 

___­­­­­­­­­­­­­_________________

(1)  فتوى للإمام أحمد بن تيمية في جواز شهادة الذمي علي المسلم ، حيث لا شاهد غيره، فقد ورد في كتاب " الطرق الحكمية في السياسة الشرعية " لابن القيّم  الجوزية (ص: 160)  قول أبن القيم: 

" قَالَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ اللَّهُ – يعني ابن تيمية - : وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ – يعني الوصية في السفر عند الموت إذا لم يوجد غيرهم من المسلمين - : " هُوَ ضَرُورَةٌ " يَقْتَضِي هَذَا التَّعْلِيلُ قَبُولَهَا فِي كُلِّ ضَرُورَةٍ حَضَرًا وَسَفَرًا.

وعَلَى هَذَا لَوْ قِيلَ : يَحْلِفُونَ فِي شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا يَحْلِفُونَ عَلَى شَهَادَاتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي وَصِيَّةِ السَّفَرِ، لَكَانَ مُتَوَجِّهًا، وَلَوْ قِيلَ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ عُدِمَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ، وَيَكُونُ بَدَلًا مُطْلَقًا".  

(2) جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق