الاثنين، 19 مايو، 2014

الدين هو منهجٌ، وعلينا أن نُطبِّق هذا المنهج في حياتنا




حديث الجمعة
 17 رجب 1435هـ الموافق 16 مايو 2014م
السيد/ علي رافع

        حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
        "...الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43].
        الحمد لله، الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
        عباد الله: إن آيات الله تخاطبنا، وترشدنا إلى منهجٍ قويم، إلى أسلوب حياة فيه تفاعلٌ مع الواقع، وفيه إعمالٌ للعقل، فيه عملٌ، وفيه ذكرٌ. دين الحق، جاء في كل الرسالات السماوية، ليكشف لهم هذا القانون الذي يحكم حياتهم. كل الأديان، جاءت بالمنهج الربانيّ، وأعطت له صورةً، لتساعد على فهمه الحقيّ، "...لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا..."[المائدة 48].
        فإذا أخذنا مثلاً من عباداتنا ـ كالصلاة، فالصلاة، في جوهرها منهجٌ وأسلوب حياة، أساسه الدعاء، وطلب العون، وإقامة الصلة التي تُمَكِّن لهذا العون أن يصل إلى الإنسان، إنه سببٌ لإقامة صلةٍ بين الشهادة والغيب. وهذا، أمرٌ أساسيّ للإنسان على هذه الأرض.
        فالإنسان بفطرته، يُميز بين الطيب والخبيث، وبين الحق والباطل، ولكنه لا يستطيع دائماً أن يكون في طريق الحق. فنفسه أمارةٌ بالسوء، وقد تخلط عليه الأمر. فالإنسان حين يدرك ذلك، طريقه الوحيد، أن يلجأ إلى الله، أن يلجأ إلى الغيب، وهذا اللجوء، هو الدعاء، هو الصلاة.
        لذلك، فالصلاة ركنٌ أساسيّ في حياة الإنسان، بل هي تُلبِّي طلبه حين يتساءل: وماذا أفعل إذا ضاقت بي السبل، وإذا لم أجد مخرجاً فيما هو قائمٌ على هذه الأرض، لمن ألجأ، وكيف ألجأ؟
        فالصلاة هنا، إجابةٌ لتساؤلٍ من الإنسان، عما يجب أن يفعله ليكون في صلةٍ دائمة، لأنه يدرك أن نفسه قد تخلط الأمور عليه، فتصبح الصلاة هي الوسيلة التي يلجأ إليها في كل لحظةٍ من لحظات حياته، على مدار يومه، ليله ونهاره، يحاول بهذه الصلاة، أن يأخذ قوةً تساعده أن يرى الحق حقاً، ويرى الباطل باطلاً.
        هكذا، نرى الصلاة في جوهرها، وفي مقصدها، وفي غايتها ـ كمنهجٍ وكأسلوب حياة. فإذا جاء الإسلام بصورةٍ لتأكيد هذا المعنى في الصلاة المنسكية، فهو بذلك، يستخدم هذه الوسيلة ليعبر عن المنهج، وعن الغاية، وعن المقصد.
        تجيئ الديانات الأخرى كلها بمفهوم الصلاة، فالكل يصلي، والكل يتحدث عن الصلاة بهذا المقصود الكليّ، وفي نفس الوقت، تجيئ الرسالة السماوية بمظهرٍ للتعبير عن هذه الصلاة، تجيئ بمنسكٍ، بشعيرةٍ، تعبر عن هذا المقصد.
        فالشعائر كلها، هي تعبيرٌ عن مقاصد كلية. والأوامر كلها، هي تعبيرٌ عن مقاصد كلية. هناك من هذه التعابير ما هو توقيفيّ، بمعنى أنه لا يرتبط بسببٍ ومسبب على هذه الأرض، وإنما هو يعبر عن المقصد، مثل كل العبادات كالصلاة والصوم.
        لذلك، فإن صورتها المنسكية، هي أمرٌ لا يخضع للإحاطة العقلية، بأن تقول مثلاً: أن عدد الركعات يجب أن يزيد، أو يجب أن ينقص، أو أن الأوقات ممكن أن تتغير، أو أنك تصلي في الوقت بين الظهر والعصر، بدلاً أن تصلي في بداية الظهر مثلاً.   كل هذه أمورٌ لا يدخل فيها التسبيب الماديّ، لأنه فعلاً لا يوجد تسبيبٌ ماديّ لها، وإنما أنت بقيامك بها، تعبر عن الرسالة التي يحملها هذا المنسك.
        وكل دينٍ من الأديان، وكل أتباع دينٍ من الأديان، يقوم بمنسكه ليعبر عن المقصود من هذا المنسك. فهذه أمورٌ، القياس فيها لا يكون على الشكل، وإنما يكون على الأثر، [من لم تنهه صلاته فلا صلاة له](1). هنا، أثر الصلاة عليك، هذا هو قياس الصلاة بالنسبة لك.
        لذلك، وقد وجهنا الرسول إلى ذلك، [من لم تنهه صلاته فلا صلاة له]، وكذلك الآيات وهي توضح لنا ذلك، "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"[الماعون 5:1]، ساهون عن هدفها، وعن مقصودها، وعن نيتهم وهم يقومون بها، وعن إغفالهم لتأثير أثرها عليهم ـ لمراجعة أنفسهم، إذا وجدوا أن لا أثر لها عليهم، أن يتجهوا إلى الله أكثر، وأن يرجعوا إليه أكثر، وأن يركزوا في صلاتهم بالدعاء، وفي توجيه وجوههم إلى قبلتهم. وهنا، هي محاسبةٌ للإنسان، يحاسب نفسه بنفسه، ويراجع نفسه بنفسه، ويتجه إلى الله دائماً أن يعينه على نفسه.
        وأمورٌ أخرى، لها علاقةٌ بحياتنا الأرضية، وبعلاقاتنا الإنسانية، بقوانينٍ تحكمنا، وتحكم علاقاتنا بيننا وبين بعض ـ وهذه الأمور أيضاً، لها مقاصد كلية، ولها جوهرٌ، ولها منهجٌ. والحق حين يوضح هذا المنهج، يضعه في إطار مفاهيم مجردة، "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[النحل 90].
        فإذا أخذنا ـ كمثالٍ ـ مبدأ العدل، سوف نجد أن هذا المبدأ، يُطبَّق في أمورٍ كثيرة، يُطبَّق أولا في تعاملك مع الآخرين، في أخذك وعطائك، عليك أن تراقب نفسك فيما تعطي وفيما تأخذ، وقد عبرت هذه الآيات عن ذلك، "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3:1].
        وهذا، يكون في كل عملٍ يقدمه الإنسان، أن يراعي ذلك، هذا بالنسبة للتعامل الشخصي، التعامل المجتمعي، ألا يتخطى إنسانٌ على حرية إنسان، وعلى مال إنسان، وعلى عرض إنسان، وعلى نفس إنسان، "...مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..."[المائدة 32]، "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ..."[البقرة 179].
        فهنا، وجوب قيام قانونٍ ينظم العلاقات بين الناس، ويقنن كيف يقيم العدل على هذه الأرض. وهذه صورةٌ، يجب أن تكون الأفضل فيما يمكن أن تحققه على هذه الأرض، لها قياساتٌ مجتمعية. والقوانين التي تصدر في ذلك، هي أمرٌ يخضع للقياس، فيما يُنتِجه من أثرٍ في المجتمع.
        وإذا كانت هناك آياتٌ جاءت في هذا الإطار، فقد جاءت بالمقصد الكليّ، وإذا عبرت عن شكلٍ من أشكال تطبيقه، فما هذا الشكل إلا للتقريب للإنسان، وتفهيمه هذا المقصد. ولكن للعلماء تفسيراتٍ كثيرة في هذه الآيات، وفي كيفية تطبيقها على أرض الواقع.
        فأنت تعلم، أن القتل أمرٌ كله باطل، ولكن حين تحاول أن تُنفِّذ حد القتل، تجد صوراً كثيرة لهذا التنفيذ، كلها يمكنك أن تفهمها من الآيات التي تحدثت عن ذلك. ومن ثَمَّ، فإن ما يمكنك أن تُطبِّقه، له علاقةٌ بما يُنتٍج أثراً في المجتمع، يقلل من مثل هذه الجرائم، ولا يخلق عداواتٍ أكثر وصراعاتٍ أعمق.
        من هنا، ندرك أن المنهج هو الأمر الذي يجب أن نتبعه، وأن التفاعل مع الواقع هو الأسلوب الذي يجب أن نسلكه، حتى نصل إلى تطبيقٍ في أمورنا المجتمعية، يُصلِح حال مجتمعنا وحال أمتنا.
        وأن الإنسان في علاقته مع الله، في أموره التي تخصه، تخص وجوده، وتخص روحه، وتخص قلبه، وتخص نفسه، هي أمورٌ خاصةٌ بالإنسان، عليه أن يتدبر في المقاصد الكلية التي جاءت بها آيات الحق، ويتأملها بعمقٍ وصدق، ويبحث فيها عما يجعله أكثر صفاءاً، وأكثر رقياً، وأكثر قدرةً على العطاء، فيما يقوم به على هذه الأرض.
        عباد الله: نسأل الله: أن نتأمل آيات الله حقاً، وأن ندرك منهج الله الذي أرسله لنا حقاً، وأن نتعلم كيف نُطبِّقه بتفاعلنا مع الواقع، وإدراكنا أن الأفضل هو ما فيه أفضل لنا ولمجتمعنا، في حاضرنا وفي مستقبلنا.
        فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله .
___________________________
                                  
        الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
        عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الدين هو منهجٌ، وأن علينا أن نُطبِّق هذا المنهج في حياتنا، لا بشكلٍ فهمه البعض، لأن الأشكال كثيرة، والمذاهب كثيرة، ولكن بالمنهج الذي تعلمناه في آيات الله، بأن نُعمِل عقولنا، وأن نستلهم المقاصد من آيات الحق لنا، ومن الرجوع إلى قلوبنا، إذا اختلط الأمر علينا واختلفت التفاسير حولنا.
        فعلينا، أن نستفتي قلوبنا، [استفت قلبك، وإن أفتوك، وإن أفتوك، وإن أفتوك](2)، وأن نستلهم طريق الصواب بما يُنتِج أثراً حسناً في مجتمعنا، وأن نراجع أنفسنا دائماً، إذا وجدنا أن الذي طَبَّقناه لم يُنتِج هذا الأثر.
        وهكذا، فنحن نستلهم المقصد من الآيات، ومن الرسالات السماوية، ومن فطرتنا السوية، ونطبق هذه المقاصد على أرضنا، بمعايير عقلية مادية، فيما يخص حياتنا الأرضية.
        أما فيما يخص الإنسان وحياته الروحية، فإن ذلك محله الإنسان، تأمله وتدبره، تفكره وذكره، ما يرضاه ويحبه لمستقبله، أيريد أن يكون حياً عند ربه يُرزق، أم يريد أن يكون في أسفل سافلين؟ ماذا يريد بحق، وماذا يطلب بحق؟
        هذه قضيته، وهذا اختياره، [كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون](3)، "...كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا"[الإسراء 51،50].
        هكذا، نتدبر ديننا، ونتعلم من آيات الله لنا، نرجع دائماً إلى الله، ونستغفره، ونعلم أن لكل إنسانٍ فهمه، وأن ما نفهمه، وما نعبر عنه، إنما هو مفهومنا، لا يعني أنه المفهوم الحق المطلق، ولا يعني أن غيرنا مفهومه باطل، إنما لكلٍّ ما يعتقد، وكلٌّ يفكر بإمكانياته وطاقاته.
        وهذا، هو المهم، أن يفكر ويتفكر، وأن يذكر ويتدبر، وأن يتجه إلى الله ويدعو، وسوف يلهمه الله ما هو له أهل، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286]، وكل إنسانٍ له سعته، وعليه أن يعمل بهذه السعة، وأن يعمل على اتساعها، ليكون أكثر معرفةً، وأكثر حياةً، وأكثر ارتقاءاً. هكذا، يكون الإنسان حراً، بشهادة لا إله إلا الله وبشهادة أن محمداً رسول الله.
        نسأل الله: أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
        اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
       اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
        اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
        اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
        اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
        اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
       اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
        اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
        يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.








_______________________________

(1) أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ".

(2) حديث شريف جاء نصه :"استفت قلبك واستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" قالها الرسول ثلاث مرات. أخرجه أحمد و الدرامي.

(3) هذه العبارة تتوافق مع الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي ، إن ظن خيراً فله ، وإن ظن شراً فله " . أخرجه أحمد بن حنبل الجامع الصغير للسيوطي.  

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق