الثلاثاء، 17 يونيو، 2014

الحياة نكسبها من خلال توجهنا إلى قبلتنا المشهودة لنا




حديث الجمعة
 15 شعبان 1435هـ الموافق 13 يونيو 2014م
السيد/ علي رافع


      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
      نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، طامعين في رحمته، وفي مغفرته، وفي أن نكون أهلاً لنفحاته ورحماته، وأن نكون فيمن هدى الله، فـ "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
      ونحن نعيش في هذه الأيام في شهر رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ [رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر الناس](1)، وهذا حديثٌ مجازيّ، يوضح لنا معنى هذا الوجود، هناك الغيب، والشهادة، ومن هم قائمون في الشهادة.
      فالله غيبٌ، ورسوله شهادةٌ، والناس هم مفردات هذه الحياة، المقصودون بها، الله خلقهم وهو من ورائهم بإحاطته، وأرسل لهم رسله ليكونوا شهداء عليهم، بأن بلغوهم معنى الحياة وسر الحياة. وسر الحياة، هو في القيام في الشهادة باستقامة.
      وهذا المعنى، نجده أيضاً في رسالةٍ أخرى جاءت في هذا الشهر، وهي تحويل القبلة في ليلة النصف من شهر شعبان. رسالةٌ، تعلمنا أيضاً معنى الغيب ومعنى الشهادة، "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء..."[البقرة 144]، غيبٌ، اتجاهٌ إلى غيبٍ، "...فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا..."[البقرة 144]، قبلةً في شهادة.     
      فكان البيت الحرام هو قبلة الشهادة، قبلةٌ أُمِرنا أن نتوجه إليها في صلاتنا، وأن نشد الرحال إليها في حجنا، فكان هذا رمزٌ أيضاً، وتوجيهٌ، ورسالةٌ، إلى أن الحياة نكسبها من خلال توجهنا إلى قبلتنا المشهودة لنا.
      فإذا كنا نتجه إلى الغيب، إيماناً مجرداً بما وراء هذه الحياة، مكبرينه عن أي صورةٍ وعن أي شكل، فإننا نتوجه إلى الشهادة فيما هو مُدركٌ لنا، بما هو أفضل، وبما مَنَّ الله علينا من نعمة التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين النور والظلام.
      فما نستطيع أن نتعامل به وأن نتعامل معه، هو ما هو مشهودٌ لنا على هذه الأرض، من قوانين، ومن أسبابٍ، ومسبباتٍ، وتفاعلاتٍ، وحسنٍ وقبيح، وحقٍ وباطل، وعدلٍ وظلم ـ بمقاييسنا التي نستطيع أن نميزها، وأن نتبينها في حياتنا.
      لذلك، كان تطبيق الدين في حياة الإنسان، هو في الشهادة وفي القيام فيها وبها. وهذا، ما نتذاكر به دائماً، ونُذكِّر به أنفسنا، أننا إذا كنا نلجأ إلى الغيب، دعاءاً وطلباً للتوفيق وطلباً للمدد النورانيّ اللامرئيّ، إلا أننا أيضاً نلجأ إلى الشهادة، بقوانينها وأسبابها وكل ما يمكن أن نعقله على هذه الأرض، من حسنٍ وأحسن، ومن صالحٍ للمجتمع وأفراده.
      فكان الدين بذلك، هو الحياة، هو الحياة بحق. كان الدين هو منهجٌ ــ كما نقول دائماً ــ منهجٌ قائمٌ على التمييز بين الخير والشر بمقاييسٍ أرضية، وبين الحق والباطل بمقاييسٍ أرضية، في كل ما يخص تعاملاتنا، في كل ما يخص قوانيننا، في كل ما يخص حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
      الدين هنا، ليس في أنماطٍ أو في أشكالٍ نعتقد أنها الدين، وإنما الدين هو في تطبيق منهجٍ حقيّ، يحلل الأوضاع، ويميز بين ما هو فيه صلاح المجتمع، "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104].
      والمعروف، هو ما نعرفه من أنه أفضلٌ وأحسن وأقوم. والمنكر، هو ما نعرف أن فيه فسادٌ وإفسادٌ وظلام. والأمر، هو بالمقصد، هو بالدعوة إلى الحق، بلا إكراهٍ، وبلا إجبارٍ، وبلا عنفٍ، "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ..."[البقرة 256].
      فالأمر بالصلاة مثلاً، هو في بيان معنى الصلاة، وفي مقاصدها، وفي معناها، وفي دلالاتها، لا في إجبار الناس على أن يؤدوها، فهذا لا يؤدي إلى شيءٍ، وإنما في توجيه الناس إلى هذا المعنى الفضيل، الذي يرجو الإنسان منه أن يكون في صلةٍ بالحق وبالغيب، ليتلقى نوراً ونفحةً وقوةً، تساعده أن يتغير من حالٍ إلى أفضل.
      وقد عبر رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ عن هذا المعنى بقوله: [من لم تنهه صلاته، فلا صلاة له](2)، "...إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ..."[العنكبوت 45]. الصلاة، يوم يقوم الإنسان وهو يدعو الله، ويتجه إلى الله، ويسأل الله.
      أما من قام مؤدياً الصلاة بذاته وجسده، وهو في انشغالٍ عن معناها، وعن مقصدها، وإنما يؤديها حركاتٍ، لمجرد أنه يعتقد أنه بذلك يكون قد نفذ أمراً، [فكم من مصلٍ لم يأخذ من صلاته إلا بعداً عن الله](3)، "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"[الماعون 5،4]. وساهون هنا، لا تعني أنك قد تسهو في صلاتك مرة أو مرات، فقد يحدث هذا، ولكن المقصود، هم الساهون عن معناها وعن مقصدها.
      فالسهو عن المقصد الأصيل في معناها، هو الذي يجعلك فيمن قيلت فيهم هذه الآيات: "الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ"[الماعون 7:5]، إنهم ـ حتى ـ يراؤون أنفسهم، يوهمون أنفسهم بأنهم قد أدوا ما عليها من واجبٍ يعتقدونه، دون أن يبذلوا قدراً من الفكر والبحث في دلالة ما يقومون به، وفي هدف ما يقومون به.
      قد لا يصلون إلى الهدف الأصيل، بل أننا نقول أننا لن نصل إلى هدفٍ مطلق، وإنما على الأقل يكون لنا فهمٌ في معنى ما نقوم به، نكون حقاً طالبين قوةً وداعين دعاءاً خالصاً، ونحن نصلي ونتوجه إلى قبلتنا.
      فالأمر بالمعروف، هو أمرٌ بالقيم الأساسية الكلية، وهذا ما هو مطلوبٌ من الإنسان أن يفعله إن كان يدعو إلى شيءٍ يراه حقاً، وهذا ما يرشدنا إليه الحق بقوله: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[النحل 90].
      لنحفظ هذه المقاصد، ونحافظ عليها، ونجتمع عليها، ونتواصى بالحق والصبر بها، ونجتمع كأمةٍ نرجو حقاً أن نكون في دولة عدلٍ، في دولة إحسانٍ حقيّ، في دولة "...إِيتَاء ذِي الْقُرْبَى..." بمفهومه الحقيقيّ.
      إحسانٌ، يعني أن يكون الأفراد في هذا المجتمع يتعاملون مع الله، والتعامل مع الله يعني الإخلاص والإتقان. وإيتاء ذي القربى، يعني العطاء والتكافل للبشرية كلها، والتكاتف كمجتمعٍ وكأفراد، بأن يساعد القوي الضعيف، والغني الفقير، والمتعلم يعلم الجاهل.
      الكل يساند بعضه بعضاً، ليصل الجميع إلى مجتمعٍ يكون الناس فيه قادرين على أن يتوجهوا بقلوبهم إلى الله بإخلاصٍ، وأن يتعاملوا مع الله بحبٍ، وأن يتعاملوا بعضهم مع بعضٍ بمودةٍ وصفاءٍ وألفةٍ.
      عباد الله: نسأل الله، أن نتعلم معنى ديننا حقاً، ومعنى أن نعيش الشهادة حقاً، وأن نعرف أن الدين في إخلاصنا فيما نقوم به في أرضنا، وفيما نقوم به في كل أعمالنا وفي كل معاملاتنا.
      فنسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يحقق الله لنا ذلك.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
__________________________
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن نقرأ رسالة الله لنا فيما كان في منتصف شهر شعبان، من تغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، ومن التوجه إلى الغيب إلى التوجه إلى الشهادة، "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا..."[البقرة 144]. هذا، هو الجزء الذي تحدثنا فيه اليوم.
      وكذلك، في معنى حديث رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ: [رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر الناس]، وأوضحنا أننا نفهم من هذا الحديث ومن هذا الحدث، معنى الغيب والشهادة، وكيف يتعامل الناس مع الشهادة ومع الغيب.
      وكيف أن الدين فيما نقوم به من معاملاتٍ على أرضنا، هو في الشهادة. والشهادة، هي كل ما هو مشهودٌ لنا، من خيرٍ وشر، من حقٍ وباطل، مما فيه صلاحنا، ومما فيه خيرنا ـ بمقاييسنا التي نشهدها على أرضنا.
      وأن تعاملنا مع الغيب في ديننا، هو في التوجه بالدعاء، من خلال توجهنا إلى قبلتنا، ومن خلال إيماننا بأن هناك من هو أولى بنا من أنفسنا، وأن هناك من هو محيطٌ بنا، وأقرب إلينا من حبل الوريد.
      وأن دعاءنا ـ وإن كنا نتوجه فيه ونحن مستقبلين قبلتنا ـ إلا أن الغيب أقرب إلينا من حبل الوريد، ومعنا أينما كنا، ويسمع السر وأخفى، ويسمع دعاءنا، بل أنه أمرنا أن ندعوه "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، لأنك إن لم تكن عندك رغبة في أمرٍ بأن تتوجه به إلى الله، فالطبيعيّ أنك حتى لن تكون أهلاً لتوجيهٍ، أو لاستجابةٍ، أو لتوفيقٍ.
      فالتوفيق، أساسه أن تكون أهلاً له. والنفحة، أساسها أن تكون أهلاً لها. ولتكون أهلاً، عليك بالدعاء، وليس فقط بدعاءٍ كلاميّ، ولكن بعملٍ صالحٍ تكون فيه متوجها إلى الله، مدركاً أنك وأنت تتخذ الأسباب فإنك تدعو الله، وأن التوفيق من عند الله، وأن لا إله إلا الله. فهذا الشق الإيمانيّ الغيبيّ، يصاحب الشق العمليّ المشهود الذي تتبعه وأنت قائمٌ على أرضك.
      هذا التوافق بين الشهادة والغيب، هو الذي يجعلك على الطريق القويم، وعلى الصراط المستقيم. هذا، ما نتأمله في حديث رسول الله، وفي هذا الحدث العظيم الذي كان في شهر شعبان، وكان رسالةً موجهةً لنا، لنكون أكثر فهماً لديننا ولواقع حياتنا.
      نسأل الله: أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، وأن يوفقنا لما فيه خيرنا ولما فيه صلاحنا.
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه مجتمعنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.

_______________________________

(1) حديث شريف: "رجبٌ شهرُ اللهِ ، وشعبانُ شهْرِي ورمضانُ شهرُ أُمَّتِي" الراوي: الحسن البصري، المحدث: ملا علي قاري - المصدر: الأسرار المرفوعة - الصفحة أو الرقم: 438، خلاصة حكم المحدث: مرسل، المصدر: الدرر السنية، الموسوعة الحديثية، تيسير الوصول لأحاديث الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ.

(2)،(3) أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً " .


 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق