الخميس، 5 نوفمبر، 2015

النحر يرمز إلى أن يتخلص الإنسان من تثاقله إلى الأرض ملبياً دعوة الحق



حديث الجمعة
11 ذو الحجة 1436هـ الموافق 25 سبتمبر 2015م
السيد/ علي رافع

الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرةً وأصيلا، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله .
عباد الله: إنا نعيش أياماً فيها معانٍ ورسائل كثيرة، ومن ضمن هذه الرسائل ما يقوم به الإنسان من ذبحٍ لأضحية، وهي تعبيرٌ عن محاولة الإنسان لنحر المعنى الأدنى فيه، لمعنى أن يقدم الإنسان كل وجوده الأرضيّ لله، "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ"[الكوثر 2].
فالنحر هنا، وهو يجيئ بعد أمر الصلاة التي هي دعاءٌ ورجاءٌ وصلةٌ بالغيب، ليأخذ الإنسان قوةً تُمَكِّنه من مواصلة الحياة على هذه الأرض، فيصبح كل فعلٍ يقدمه بعد ذلك يقدمه قرباناً للتقرب إلى الله. فرمز النحر هو أن يتخلص الإنسان من تثاقله إلى الأرض، بأن يجعل كل الأفعال المتصلة بهذا التثاقل هي لله.
لذلك، حين نتأمل فيما أشار له القرآن في قصة إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ إنما كانت الإشارة هنا، إلى أن إسماعيل وهو يرمز إلى امتداد إبراهيم على هذه الأرض، ومحبة إبراهيم ـ عليه السلام ـ لإسماعيل وهي محبةٌ خالصةٌ في الله، ولكن أراد الحق أن يعلمنا: وإن كان الأمر كذلك إلا إن على إبراهيم ألا يتقيد ولا يتثاقل إلى الأرض بهذه العلاقة.
فكان الأمر بالذبح هو تعبيرٌ عن هذا المعنى، ليظل هذا الأمر رمزاً دائماً على عدم تثاقل الإنسان إلى الأرض. وظلت الشعيرة في هذه الأيام التي يمارسها الإنسان هي في أن يعبر عن هذا المعنى، ليكون بذلك حاملاً لرسالةٍ مستمرةٍ على هذه الأرض.
وسوف نجد أن هذه الشعيرة مطالبٌ من قام بالحج أن يؤديها ليعبر أيضاً عن هذا المعنى، بل أنه قد يؤديها أكثر من مرةً إذا لم يقم بمنسكٍ كما يجب، ليكون بتعبيره هذا، أنه يدرك تماماً أنه غير متثاقلٍ إلى الارض، وأنه وإن كان لم يقم بمنسكٍ أو بشعيرةٍ، فإن هذا لا يعني أنه لم يفعل ذلك لرغبةٍ دنيوية أو لتثاقلٍ أرضيّ، وليعبر أيضاً لمن تابعه، أنه لم يقم بتوصيل الرسالة كاملةٍ إلى من يليه.
هكذا، ندرك أن كل ما يقوم به الإنسان فيما أُمِر به هو أمرٌ يُبلِّغ الإنسان به رسالةً، وليس للفعل في حد ذاته.
وحين ننظر أيضاً في القصص القرآنيّ ـ لهذا المعنى أيضاً ـ "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ..."[المائدة 27]، والقربان هو ما يقدمه الإنسان ليعبر عن التقرب إلى الله، والتقرب إلى الحقيقة.
والذبح يحمل هذا المعنى أيضاً. ولكن هناك من يقوم بالذبح وهو غير مدركٍ لما يقوم به، وهناك من يقوم بذلك وهو مدركٌ لما يقوم به. فالمدرك، يكون عمله كاملاً فيتقبل منه الله ذلك، والتَقبُّل هنا، هو أنه يكسب طاقةً إيجابية تجعله أكثر رقياً وأكثر قرباً للحقيقة. وعدم التَقبُّل هو أنه يكتسب طاقةً سلبية تجعله أكثر تثاقلاً ودُنُوَّا إلى الأرض.
لذلك، نجد هذا المعنى في أحاديث كثيرة، [كم من مصلٍ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا](1)، وهو الذي لم يُوصِّل رسالة الصلاة كما يجب، ولم يقم في معناها كما يجب. وكم من مصلٍ وهو يزداد بصلاته قرباً، يوم يقيم الصلاة حقاً، [إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر](2)، إنها تقربه إلى الأعلى وتبعده عن الأدنى.
وهكذا يكون الفعل متناسبٌ مع نية الفاعل فيما يقوم به. ونية الفاعل تتناسب مع إدراكه لما ينوي أن يقوم به. وفهم الإنسان لما ينوي أن يقوم به هو متناسبٌ مع إخلاص الإنسان فيما يستمع إليه، وفيما يقرؤه، وفيما يتعلمه. وإخلاص الإنسان في كل ذلك، هو في أن يُكبِر الله عن أي صورةٍ وعن أي شكل. وأن تُكبِر الله عن أي صورةٍ وعن أي شكل هو في أن تقوم في ذكره، وفي طلبه. وهكذا تكتمل الدائرة.
دائرةٌ نهايتها هي بدايتها، وكل نقطةٍ عليها هي بدايةٌ لحالٍ ونهاية لحالٍ آخر. ولذلك، كان رمز الدائرة في ديننا كطوافٍ حول نقطة. وفي الكتب الصوفية حين تتحدث عن الدائرة، وعن الدائرة في الكون، في المسارات التي تسير فيها النجوم، وتسير فيها الكواكب ـ رمز الدائرة له ما له، من أنه يقدم رسالةً للإنسان أن أعمالك متصلةٌ بعضها ببعض، وأن كل عملٍ يؤدي إلى الآخر، في تتالٍ يرجع بك إلى نقطة البداية.
ونحن نعيش في حياتنا في هذا المعنى يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام، إلى أن نخرج من دائرة الأرض إلى دائرةٍ أكبر، لها قانونها، ولها أسبابها التي هي أكبر من أن نحيط بها ونحن في هذا الحال الذي نعيشه اليوم.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون مجيبين لدعوة الداعي إذا دعانا، وأن نكون ملبين النداء، وأن نكون عارجين في معراج لا إله إلا الله، مدركين أن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن شهادة أن محمداً رسول الله هي ما يقودنا ويدفعنا إلى طريق الحق وطريق الفلاح.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله .
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو قراءةٌ وتأملٌ في معنى "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ"، في معنى النحر، في معنى تقديم القربان كرمزٍ لأن ينطلق الإنسان ملبياً دعوة الحق، متخلصاً من تثاقله إلى هذه الأرض.
إنه يريد أن يعبر عن ذلك، ويريد بتعبيره أن يقوم في ذلك، ويريد بقيامه في ذلك أن تتحقق نتيجته في انطلاقه، وفي سموه، وفي علوه، وفي ارتفاعه. إنه يريد أن يكون متوافقاً مع قانون الحياة الذي كشفه الله له، ليكون ناجياً، ليكون عبداً صالحاً، ليكون وجوداً ممتداً حياً عند ربه يُرزق.
إذا نظرنا إلى أنفسنا ووجدنانا لا نفكر في ذلك، وإنما نؤدي شعائر دون أن نفكر فيها، فعلينا أن نتجه إلى الله بالدعاء أن يعيننا على ظلام نفوسنا، وأن يساعدنا أن نفكر أكثر عمقاً، وأن نكون أكثر طلباً لأن نُفعِّل كل ما كشف الحق لنا في حياتنا، وأن يكون لكل هذه الأمور التي نقوم بها أثرٌ في وجودنا، وفي حياتنا، وفي رُقِينا.
نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين. 
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.

___________________

(1) ،(2) أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً".





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق