السبت، 3 ديسمبر، 2016

ليلة القدر حالٌ في الإنسان يوم يُهيِّئ نفسه لنفحات الله ورحماته

حديث الجمعة 
26 رمضان 1437هـ الموافق 1 يوليو 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
"... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ..."[الأعراف 43].
عباد الله: إنّ هذه الأيّام المباركة برمزها لمعاني تطهير الإنسان لنفسه وإعداده لوجوده لتلقّي نفحات الله، هذه الأيّام التي رمزت وترمز لليلة القدر وما فيها من معانٍ كثيرة، ليلة القدر ليست ليلةً لها زمانٌ وإنّما هي معنى، معنى يرمز لتلقّي الإنسان لرحمات الله ونفحاته.
"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ"[القدر 1]، وإذا كنّا نرمز للهاء هنا بمعنى القرآن، أو بمعنى التنزيل من الأعلى إلى الأدنى، أو كلّ ما هو خيرٌ للإنسان يتلقّاه من الغيب إلى الشهادة ـ كلّ هذا يعني أنّ الإنسان يوم يقوم في هذا الحال أو يحدث له هذا الأمر فهو يكون في ليلة القدر. ليلة القدر حالٌ في الإنسان يوم يُهيِّئ نفسه لنفحات الله ورحماته.
"لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ"[القدر 3]، خيرٌ من كلّ حياة الإنسان، إنّه في هذه اللحظة التي يغمر نور الله الإنسان، وتغمر رحماته الإنسان، وتغمر نفحاته الإنسان ـ فإنّ هذا يجعله وجوداً آخر يُغيّره تغييراً كليّاً. إنّ كلّ عمل الإنسان ومجاهدة الإنسان أن يكون أهلاً لهذه اللحظة.
وهذا أيضاً نفهمه في حديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [لا يدخل أحدكم الجنّة بعمله، حتى أنت يا رسول الله، حتى أنا ما لم يتغمدني الله برحمته](1). فليلة القدر هي رحمة الله يوم تتغمّد الإنسان وتغمر الإنسان.
"تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ"[القدر 4]، تعبيرٌ نجده أيضاً في الآية: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"[فصلت 30]، إنّ الملائكة تتنزّل كلّ ليلةٍ ولكن هل الإنسان أهلٌ لأن يكون متلقياً لها. إن ليلة التّلقّي مرتبطةٌ بالإنسان. فالله وملائكته أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ومعه أينما كان، ولكن هل الإنسان مع الله، أم أنّه بعيدٌ عنه بغفلته وبانشغاله بذاته وبوجوده وبمحيطه وبحياته الأرضيّة.
إنّ الإنسان مطالبٌ أو مُخبَرٌ بأن يكون مُهيِّئاً وجوده لصلةٍ بربّه في كلّ العبادات. فكلّ العبادات أساسها أن يُعطِي الإنسان فرصةً لتلقّي نفحات الله وليكون محاولاً أن يعدّ نفسه لهذه الصّلة، وهذه الصّلة أساسها إيمان الإنسان وهو في حجابٍ من ظلام.
هذه قضيّة الإنسان على هذه الأرض، أنّه يعيش وهو محجوبٌ عن الحقيقة بتواجده في هذه الذّات البشريّة، بل أنّ وجوده في هذه الذّات البشريّة هو مطلوبٌ حتّى يستطيع ـ بقانون الحياة ـ أن يكسب الحياة الأبديّة.
مطلوبٌ وأنت في هذا الغيب الذي تعيشه في هذا الحجاب الذي تقوم فيه، أن ترجع إلى داخلك وأن تسأل نفسك، هل أنت مخلوقٌ بلا هدف؟ هل أنت لست في حاجةٍ إلى ربٍّ تتّجه إليه؟ أم أنّك في حاجةٍ لأن تطلب صلةً بربّك؟ وقُمْ فيما تجيب به عليك نفسك وقلبك، لن يجيبك أحدٌ، ولن يهديك أحدٌ.
 وها نحن نتعلّم ذلك في الآية الكريمة: "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ..."[القصص 56]، وكيف يهدي الله الإنسان؟ إنّه يهديه من داخله، "... مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
فإذا نظرنا إلى واقعنا، هل الإنسان يُضَلّ من خارجه؟ هل يؤخذ إلى الضلال من خارجه؟ أم أنّ داخله هو الذي يدفعه دفعاً إلى ذلك؟ وكذلك الهداية، هل يستطيع إنسانٌ أن يدفع إنساناً إلى الهداية بقوّته، بدفعه دفعاً إلى أن يهتدي؟ أم أنّ الهداية تجيئ من داخل الإنسان؟ لذلك، فواجبٌ على الإنسان أن يتّجه إلى داخله وأن يسأل نفسه، ماذا يريد، وماذا يطلب؟
لذلك، فإنّنا نُخبَر بهذه الحقائق في آيات الله، حتّى تلفت نظرنا وتوجّهنا أن نتّجه إلى داخلنا، وهذا مطلوبٌ أن يحدث ونحن على هذه الأرض وفي هذا الحجاب، فهذا التّدريب المهمّ وهو أنّ يتواصل الإنسان مع داخله، وأن يصل أن يطلب ربّه، وأن يدعو ربّه، وأن يُهيِّئ نفسه لربّه ـ كلّ ذلك مطلوبٌ أن يحدث ونحن في حجاب.
"سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"[القدر 5]، سلامٌ هي حتى تخرج من هذا الحجاب. فإذا خرجت من هذا الحجاب ولم تصل إلى أن تعدّ نفسك لتلقّي نفحات الله، فقد خسرت هذه الكَرّة، وهذه قيمة هذه الحياة.
لذلك، نجد آياتٍ كثيرة تُعظِّم من قيمة وجودنا على هذه الأرض، "... أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ"[طه 126]، "... يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي"[الفجر 23، 24]. إن هذه الحياة قيمةٌ كبيرة، فلنحاول أن نستفيد من قيامنا عليها، بأن نتّجه دائماً إلى قلوبنا، وأن نسأل الله دائماً أن نكون في صلةٍ معه، وأن يجعلنا ويساعدنا برحمته أن نكون أهلاً لنفحاته.
فنحن نسأله أن يساعدنا على أنفسنا، وعلى ظلام وجودنا، وعلى غفلة قلوبنا، وعلى سوء عملنا، وعلى جهلنا، "رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ"[آل عمران 193]. نسأل الله: أن نكون كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ ليلة القدر هي معنى، قبل أن تكون ليلةً أو زمناً. إنّها حالٌ يقوم فيه الإنسان يكون فيه أهلاً لتلقّي نفحات الله ورحماته، يكون أهلاً لأن تتنزّل عليه الملائكة لتبشِّره ولتساعده ليكون عبداً لله صالحاً.
هكذا نقرأ آيات الله قراءةً متعمّقة، متأمّلين في معانيها، لا نقول أنّ هذا هو المعنى الوحيد لها، ولكنّا نقول أنّ هذا ما تدبّرناه؛ لأنّ آيات الله الأخرى التي تُحدّثنا عن نفس الأمر تفتح الباب للإنسان في كلّ ليلةٍ، وفي كلّ لمحةٍ، وفي كلّ لحظةٍ ـ لأن يكون في هذا الحال.
"... فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ..."[البقرة 186]، "... وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16]، "... وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ..."[الحديد 4]، و"... فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ..."[البقرة 115]، و"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ..."[الزمر 53] ـ آياتٌ كثيرة تتكلّم عن نفس هذه المعاني ولا تربطها بزمنٍ أو بمكانٍ، وإنّما هي أمورٌ مطلقة يمكن للإنسان أن يعيشها في أيّ لحظة صدقٍ في قيامه على هذه الأرض.
وسرّ هذه الأرض هو في ذلك، أنّك تعيش في عالمٍ فيه حجابٌ بينك وبين الحقيقة، ولا تملك في هذه الأرض إلّا أن تتّجه إلى داخلك وتسأل قلبك، ماذا أفعل، وما هو اتّجاهي؟ هكذا نتعلّم في ديننا وفي آيات الحقّ لنا.
نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يحقّق لنا ذلك، وأن نكون له داعين في كل لحظةٍ وحين، وأن نتّجه إليه، وأن نتوكّل عليه.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.  ___________________________
(1) "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق