الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

من أراد الطّريق فليسلكه، ومن أراد أن يسلكه فليذكر ويتفكّر ويصل إلى حالٍ يقوم به ويقوم فيه

حديث الجمعة
 4 صفر 1438هـ الموافق 4 نوفمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّا نذاكر أنفسنا دائماً بمعنى طريقنا وبمعنى جمعنا. فالطّريق هو سلوك، والسّلوك هو ذكرٌ وتفكّرٌ وتأمّل. والذّكر هو استحضار معاني الحياة ورموز الحياة، استحضار علاقة الإنسان بالغيب. فعلاقتنا بالغيب علاقةٌ قائمة على الاستغفار، وعلى التعلّم ممّا يحدث منّا من تعاملنا مع أنفسنا ومن تعاملنا مع إخواننا.
الاستغفار هو سلوك ومنهج حياة، وحين تسبِّح باستغفار الله، فإنّك تستحضر هذا المعنى. إنّ حياتنا قائمةٌ على مفهوم وجودنا في هذه الحياة وعلى هذه الأرض. فما هو مفهومنا عن حياتنا، وعن وجودنا الماديّ؟
نحن موجودون بقيامنا في هذه الذّات البشريّة، وبما أعطاه الله لنا من إمكاناتٍ وقدرات، أنت تستطيع أن تذكر، وتستطيع أن تفكّر، وتستطيع أن تعمل وتميّز بين الخطأ والصواب، فيما تعتقد أنّه خطأٌ أو أنه صواب. تستطيع أن ترى، وتستطيع أن تسمع، وتستطيع أن تلمس، وتستطيع أن تشمّ، وتستطيع أن تتحرّك. هذا نوعٌ من أنواع الحياة، "...كُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ..."[البقرة 28].
فحياتنا على هذه الأرض بهذه الصّورة هو نوعٌ من الحياة، وحين يحاول كلّ إنسانٍ منّا أن يتأمّل في هذه الحياة التي يعيشها، قد يبحث عن موجِدِه، عن خالِقِه، فلا يستطيع أن يحدّد هذا المعنى تحديداً دقيقاً؛ لأنّه محاطٌ وليس محيطاً بهذا المعنى العظيم.
وهذا ما عبّر عنه كلّ الرّسل والأنبياء في بحثهم عن الحقيقة المطلقة، أو عن الخالق، أو عن الموجِد، أو عن الإله، أو عن الربّ ـ كلّ هذه المعاني هي أمورٌ غيبيّة. فنحن ـ كما نقول دائماً ـ نعيش في حجابٍ، لا نستطيع إلّا أن نرى ما نحن محيطون به، وكان الذّكر هو استحضار هذه المعاني المجرّدة، ليس كإحاطةٍ بها، ولكن لأن نشعر بها، ولأن نشعر بقربها، "...أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16]، "...وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ.."[الحديد س4].
لذلك، فنحن نسبِّح باستغفار الله، هذا المعنى الغيبيّ الذي هو قريبٌ ولا نحيط به، والذي هو بعيدٌ ولا نستطيع أن نصل إليه، ظاهرٌ فيما تجلّى به علينا من خلق، وباطنٌ لا نستطيع أن نعلم كنهه وحكمته في كلّ أمرٍ موجودٍ حولنا وفينا، ونعلم أنّه مع تعاليه إلّا أنه أرسل إلينا رسلاً لتعلّمنا، ولتكون بيننا. نذكر هذا المعنى، معنى رسول الله الذي تجلّى في كلّ الرّسل والأنبياء، وهو غيبٌ علينا أيضاً، حتّى في وجوده الماديّ، بتجلّيه في رسالاتٍ على هذه الأرض.
فكلّ الرسل ما عرفهم غير ربّهم،[ما عرفني غير ربّي](1)، هكذا قال رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وعيسى يقول "...تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ"[المائدة 116].
لذلك، فإنّا حين نصلّي ونسلّم على رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ نستحضر أيضاً هذا المعنى الغيبيّ الذي هو أيضاً قريبٌ منّا، هو دائم الوجود بمعناه الروحيّ. وما كان الأمر الإلهيّ بأن نصلّي ونسلّم على رسول الله إلّا لنتعلّم أنّه قريبٌ منّا، نتواصل معه، "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"[الأحزاب 56].
وحين نسبِّح بلا إله إلّا الله، فإنّنا أيضاً نستحضر هذا المعنى الذي نتحدّث عنه دائماً في معنى شهادة أنّ لا إله إلّا الله. نحن نُكبِر الله عن أيّ صورةٍ وعن أيّ شكل، ونعلم أنّ علاقتنا بالله هي في علاقتنا مع ما أوجد فينا من فطرة، ما أوجد فينا من عقل، ما أوجد فينا من قلب، ما أوجد فينا من ضمير، ما أوجد فينا من قدرة على العمل، ما أوجد فينا من قدرةٍ على الحركة وعلى الشعور وعلى التمييز بين ما نراه خطأ وما نراه صواباً، ما أوجد فينا من قدرةٍ على أن نصل إلى أعماق الأشياء، "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]. وما كانت الأسماء إلّا حقائق الحياة التي يمكن أن نصل إليها يوم نتأمّل ونتفكّر ونتدبّر.
لذلك، كان السّلوك في التفكّر والتدبّر والتأمّل أيضاً، لأنّ بهذا التفكّر يصل الإنسان إلى حقائق بالنّسبة له يستطيع أن يبني عليها. فنذاكر دائماً بأنّ الإنسان يوم يتكلّم، ويوم يعبّر عن قضيةٍ ما عليه أن يتعمّق في مفرداتها، ولا يردّد كلاماً مفرداته غير معروفةٍ له، وهذا خطأٌ، أو أسلوبٌ فيه عدم صدق، نراه في بعض الأحيان، حين نردّد آياتٍ دون أن نتعمّق فيها، لنفهم كلّ كلمةٍ ممّا تحمله هذه الآيات.
وسلوك التأمّل والتفكّر في خلق السماوات والأرض هو أن تصل إلى هذه المفردات، أن تصل إلى هذه الحقائق. وخلق السماوات والأرض هو أيضاً كلّ ما هو مكتوب، كلّ ما نراه أمامنا في أيّ صورةٍ، وفي أيّ شكل، وفي أيّ وسط، سواء كان هذا الوسط هو وسط فيزيقيّ، أو كيميائيّ، أو بيولوجيّ، أو كلامٌ مسموع، أو صورٌ مرئيّة، أو كتبٌ نصيّة. فكلّ هذه الأمور هي خلق السماوات والأرض.
نحن نعرف معنى هذه الأرض، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]. خلق السماوات هو ما هو ظاهرٌ لنا، ما هو يتجلّى لنا من الغيب، وفي واقع الأمر أنّ أيضاً خلق الأرض ما هو موجودٌ على الأرض، هو تجلّي من الغيب، هو تجلّي للسماء على الأرض. فكلّ ما هو موجودٌ على الأرض هو أيضاً خلق السماوات، لأنّ هناك طاقةً وراء هذه الأرض، وهذا ما نطلق عليه السماوات.
وإذا كنّا في بعض الأحيان قد نقصد بأنّ خلق السماوات هو كلّ ما نراه في هذا الكون من نجومٍ وشموسٍ وأقمارٍ وكواكب، فخلق السماوات أكبر من ذلك أيضاً بكثير، إنّه كلّ ما وراء هذه الأرض ولا نستطيع أن نراه. فكانت السماوات تعبيرٌ عمّا هو ظاهرٌ لنا منها، ولكن هناك ما هو باطنٌ فيها لا نستطيع أن نراه، إنّما كلّ ما هو ظاهرٌ لنا هو أيضاً تجلّي لما وراء هذه السماوات. إنّ كلّ المعاني وكلّ المفاهيم الروحيّة والمعنويّة هي خلق السماوات.
فإذا نظرنا في داخلنا وتعمّقنا في وجودنا سوف نجد أموراً كثيرة، علينا أن يتكون في وعينا مفهومٌ عنها، وهذا هو ناتج التفكّر والتدبّر. نصل بهذا التفكّر والتدبّر إلى نتائج، والآية تعبر عن ذلك "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ..."[آل عمران  191].
"...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ..."، هي نتيجة هذا التأمّل والتفكّر، نتيجة الذّكر قبل ذلك. "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ..." ليست كلمة نردّدها، وإنّما هي نتيجةٌ نصل إليها بذكرنا، وتفكّرنا وتدبّرنا، إنّها قيامٌ، إنّها إحساسٌ، إنّها إدراكٌ يصل إليه كلّ إنسان يوم يذكر ويتفكّر.
إنّها ليست مجرّد كلماتٍ نردّدها وإنّما هي واقعٌ نعيشه، وحالٌ نقومه، وفهمٌ يسري في وجداننا. إنّ الطّريق كما نتعلّم دائماً هو سلوك، والسّلوك هو ذكر وتفكّر، والوصول إلى نتيجة لهذا الحال في قيامنا، هذا هو الطّريق. فمن أراد الطّريق فليسلكه، ومن أراد أن يسلكه فليذكر ويتفكّر ويصل إلى حالٍ يقوم به، يقوم فيه.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو تأمّلٌ وتدبّرٌ في معنى الطّريق، والطّريق كما أشرنا هو ذكرٌ وتفكّر. الذّكر له صورٌ كثيرة، ومن هذه الصّور التي تحدّثنا عنها اليوم هو التّسبيح باستغفار الله، وبالصّلاة والسّلام على رسول الله، وبشهادة أنّ لا إله إلّا الله. وكيف أنّ هذا الذّكر باستحضار هذه المعاني يُجلِي القلب، [إنّ القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإنّ جلاءها لذكر الله](2).
فإذا أراد الإنسان أن يعرف أكثر عن هذه المعاني التي يذكرها، فعليه أن يتفكّر في خلق السماوات والأرض. وهذا التفكّر الذي أشرنا إليه اليوم أيضاً هو في قضيّة وجوده، وفي قضيّة علاقته بالله الذي هو غيب، الذي تعالى عن أيّ صورةٍ أو شكل، وفي نفس الوقت هو أقرب للإنسان من حبل الوريد.
تفكُّره يؤدّي به إلى فهمٍ لقضيّته على هذه الأرض ولعلاقته بهذا الغيب، ويؤدّي أيضاً الفهم في هذه العلاقة إلى معنى الاستغفار، وإلى معنى الصّلاة والسّلام على رسول الله، وإلى معنى شهادة أنّ لا إله إلّا الله.
من الذّكر والتفكّر يصل الإنسان إلى إدراك معنى وجوده، وأنّ وجوده على هذه الأرض له رسالة وله دور. أنّ وجوده على هذه الأرض ليس قياماً طارئاً، أو باطلاً، أو زائفاً، إنّما له حكمةٌ أكبر بكثير، يدرك ذلك من ذكره، وتفكّره، فيقوم في معنى "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ..."، قياماً حقياًّ وفعليّاً.
هذا ما أردنا أن نعبّر عنه اليوم، لعلّه يفيدنا جميعاً ويساعدنا أن نسلك طريقنا حقّاً، فنذكر بحقّ، ونتفكّر بحقّ، ونقوم في نتاج ذلك بحقّ، فنستغفر الله حقاًّ، ونصلّي ونسلّم على رسول الله حقاًّ، ونشهد أنّ لا إله إلّا الله حقّا، وأنّ محمّداً رسول الله حقاًّ.
نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
__________________________

(1)  لم نجد له سنداً، ولكن تردد في بعض أحاديث الصوفية منسوباً للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ. ومن أمثلة ذلك:

*** عن مدونة الأســــــــرار المحـمّديّـة: (العجز عن الإدراك إدراك):

ـ قال سيدي أويس القرني قدس الله سره :

قال لسيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما لمّا إلتقياه: لم تريا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ظله قالوا: ولا ابن أبي قحافة ، قال: ولا ابن أبي قحافة، ذلك أمر عجز عنه أكابر الرسل فلا مطمع فيه لغيرهم.

ـ وقال الشيخ الكتاني قدس الله سره: في كشف البراقع:

(قل الروح من أمر ربي) ليس المراد بالرّوح عند الله هاهنا إلا الروح الكليّة، الهيولى القابلة لارتسام جميع الأشكال والصور السارية في جزئيات النواسيت، من أمر ربي أي: العلم المختص بربي، وهو المشار لـه بقوله: "والله ما عرفني حقيقة غير ربي"، يعني في الحال والماضي والاستقبال، إذ الأزمنة في حقه تعالى سواء.

*** عن مدونة المريد:  ورد في شرح الامام أحمد بن عجيبة الحسنى على الصلاة المطلسمة:

ولا شك انه صلى الله عليه وسلم غيب من غيوب الله وسرٌّ من أسراره ولا يطلع عليه ولا يحيط به إلا ربه الذي خلقه وأظهره وعنه صلى الله عليه وسلم (والله ما عرفني حقيقة غير ربى). فى تصليت القطب ابن مشيش اى عنه ( تضاءلت المفهوم فلم يدركه منا سابق ولا لاحق ) وقال اويس القرني رضي الله عنه (والله ما رأى أصحاب محمد من محمد إلا قشره الظاهر، وأما الباطن فلم يعرفه أحد) فقيل ولا ابن قحافة .

*** وعن عن موقع الصوفية: التصوف: (الحقيقة المحمدية):

إن معرفة حقيقة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عجز عنها سائر البرية. وقد قال صلى الله عليه وسلم :'' يا أبا بكر والذى بعثنى بالحق بشيراً ونذيراً لم يعلم حقيقتى غير ربى ".  عن موقع الصوفية؛ التصوف.


(2)    حديث شريف أخرجه الطبراني بنص :"إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار".   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق