الأحد، 16 يوليو، 2017

التّعامل مع الله يجعلك لا تفكّر في نتيجة عملك

حديث الجمعة 
8 شعبان 1438هـ الموافق 5 مايو 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً، لله وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
عباد الله: إنّا خُلِقنا لنتأمّل ونتدبّر، ولنعمل ونذكر، ونتواصى بالحقّ والصّبر بيننا ـ مدركين أنّ حياتنا هي رحلةٌ في طريق الحياة الأبديّ، وهي حلقةٌ من حلقاتٍ لها قديمٌ ولها قادمٌ، وأنّ الرّسالات السّماوية ما جاءت إلّا لتكشف لنا عن قديمنا وعن حاضرنا وعن قادمنا.
وما كانت الآيات التي تعرّفنا عن خلق آدم إلّا لنتعرّف على قديمنا، فكلّ إنسانٍ قديمه آدم، خُلِق ليكون خليفة الله على الأرض، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]، فكانت بداية خلق أيّ إنسانٍ هي نفخةٌ من روح الله، وهي فطرة الحياة التي في كلِّ منّا، هي روح الإنسان، هي جوهر الإنسان، هي حياة الإنسان.
وكان تقدير العزيز الحكيم أن يجعل هذه الأرض لاستكمال خلق الإنسان، وكانت الأسباب قد سُبّبت ليكون الإنسان على هذه الأرض، فكانت رحلة آدم على هذه الأرض هي رحلة كلّ إنسان.
فـ "... عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]، علّمه قوانين الحياة، علّمه كيف يتعامل مع مفردات هذه الحياة، وعلّمه أيضاً أنّ امتداده على هذه الأرض، سوف يكون إمّا في طريق العروج والفلاح والصّلاح، وإمّا في طريق الهبوط والفشل والموت، "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ..."[المائدة 27].
وقد عُلِّمنا ذلك في آيات الله وهو يحدّثنا عن الإنسان، "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"[التين 6:4]، هذا هو قانون الحياة، وهذا هو دين الله.
"فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ"[التين 8،7]، "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ، أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا، أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ"[البلد 7:4]. "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ، فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ"[البلد 13:8]، "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"[البلد 10]، هديناه الطريقين.
"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس 10:7]. "إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى"[الليل 10:4]. هذه هي الحياة التي نعيشها.
حين ننظر إلى الآية: "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"، نتأمّل فيها، فنجد أنّها ما أعطى الله الإنسان من قدرات، أعطاه الجوارح التي يستخدمها ليتأمّل فيما حوله، وأعطاه الجوارح التي بها يؤثّر فيما حوله.
فاللسان وسيلة تأثير فيما يحيط بالإنسان من بشر. والعينان وسيلة تدبّر وتأمّل فيما يجري حول الإنسان. "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"، هو قدرة العقل على الاختيار، فهو يستطيع أن يُسبّب الأسباب ليسير في طريق الصّلاح أو طريق الطّلاح. وهذا ما يميّز الإنسان عن باقي الكائنات.
فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يغيّر ما حوله في حياته الأرضيّة، فهو بتفكيره وتدبيره وتصميمه وعلمه، يستطيع أن ينجز أشياءً لم تكن موجودة في الطّبيعة، ويستطيع أن يدمج بين أشياءٍ لإنتاج أشياءٍ أخرى، ويستطيع أن يتحكّم في بعض الأمور التي تُسبّب ضرراً لبيئته، ويستطيع أن يُكثِر من أشياءٍ تستطيع أن تُسبّب نفعاً لبيئته، إنّه فاعلٌ يغيّر ويتغيّر.
والمجتمع الذي لا يغيّر أفراده ما حولهم ولا يُعمِلون ما أعطاهم الله من إمكاناتٍ وطاقات، يعانون على هذه الأرض، ويصبح مجتمعهم مليئاً بالفساد والإفساد، وبالجهل والفقر والمرض، لتكاسل أفراده وعدم تفعيلهم لقدراتهم.
والإنسان هو المحرّك الأوّل لأيّ تغييرٍ في مجتمعه. وإذا نظرنا إلى تاريخ البشريّة، لوجدنا أنّ تاريخ الإنسان أنّه حاول وحاول، منذ العصور القديمة في محاولاته البدائيّة، إلى العصور الحديثة في المحاولات العلميّة والمعرفيّة.
والظّاهر مرآة الباطن ـ كما نتعلّم ـ وكما يمكنك أن تُحدِث تغييراً في الأرض وفي الحياة الأرضيّة، فإنّه يمكنك أن تُحدِث أيضاً تغييراً في الحياة الروحيّة، سواء على مستواك كإنسانٍ، أو على من يحيطون بك، "...وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا..."[الكهف 49]، "رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ"[آل عمران 194]، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]. إنّ هذا هو تقرير واقعٍ.
ولذلك، كان فعل الإنسان على هذه الأرض له شقٌّ غيبيٌّ أيضاً. فكما له شقٌّ مشهود في تغييرٍ يحدث على أرضه، فبصدقه وإخلاصه وإعماله لما أعطاه الله من طاقات، يُنتِج ذلك أثراً روحيّاً يبقى له في حياته الأخروية.
وكذلك، يكون له أثرٌ على من يصاحبه، [يحشر المرء مع من أحب](1)، فهو تأثيرٌ للصّالح على من يجتمع معه، [من صلح أصلحنا له من آبائه وذريته](2)، له تأثيرٌ ممتدٌّ فيمن لهم علاقة به، بل أنّ له تأثيرٌ على المجتمع الذي يعيش فيه؛ لأنّنا نتعلّم أنّ الذّكر له قوة، وأنّ الدّعاء له قوة، تنتشر في محيط الإنسان.
فلذلك، نقول دائماً: ربّنا وقد جعلت لكلّ شيءٍ سببا وجعلت لنا من الدّعاء سببا، فنحن ندعو الله دائماً بالصّلاح والفلاح لنا ولمجتمعنا. وهذه قوةٌ تخرج لتصيب من لها أهل. كما نتعلّم دائماً، أنّ رحمة الله ومغفرته موجودةٌ دائمة، وأقرب إلينا من حبل الوريد، ولكنّنا إن لم نكن لها أهل، ما أصابتنا. فلذلك، نتعلّم دائماً أنّ سرّ الدّعاء هو في أن نصلح أنفسنا، لنكون أهلاً لاستقبال رحمات الله ونفحاته، وأن نأمل ونطمع في أن نكون أهلاً لذلك.
"...لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"[يوسف/87]، أمّا القوم المؤمنون فإنّهم يطمعون في رحمة الله، ويذكرون الله في كل وقتٍ وحين. والذّكر هو تفعيلٌ لطاقة القلب، والتي لا يجب أن ننساها، ماذا سوف تكون؟ وكيف سوف تكون؟ لا تنظر إلى ذلك. إنّنا نقول دائماً، إنّ التّعامل مع الله.
والتّعامل مع الله يجعلك لا تفكّر في نتيجة عملك، بأن تريد أن تجسّدها في صورة؛ لأنّ تعاملك مع الله يعني أنّك أسلمت له أمرك. لذلك، ندعو دائماً: اللهم إنّي أسلمت نفسي إليك، ووجّهت وجهي إليك، وفوّضت أمري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
ونقول كواقعٍ نعيشه، أنّ الإنسان يوم يجتهد في عملٍ ما، إذا فكّر في لحظةٍ في ماذا سيجني من هذا العمل، فإنّ هذا له تأثيرٌ سلبيٌّ عليه؛ لأنّه سوف يعطّله أن يعمل. والطّالب حين يدرس ويجتهد في درسه، حين يظلّ يفكّر: ماذا سوف أستفيد من هذا الذي أدرسه؟ سوف لا يدرس شيئاً. وإنّما لو نظر أنّ العلم هو أن تحصّله لأنّه علم، وأنّ كلّ علمٍ تحصل عليه، هو في حدّ ذاته قيمةٌ لك، فإنّك سوف تجني منه الكثير بعد ذلك، دون أن تفكّر في ذلك.
والإخلاص في كلّ أمرٍ لذاته دون التّفكير في نتائجه، هو الذي يؤثّر إيجاباً على الإنسان بصورةٍ أفضل. لذلك، نجد القول: [من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيت له أفضل ما أعطي السّائلين](3)، إنّه الإخلاص في الذّكر.
"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ..."[الحج 11]، يذكرون الله حتى وإن كان مقصدهم أن يخرقوا العادات وأن يروا الجمالات، فإنّ ذلك يعطّلهم عن ذكرهم، وربما يؤثّر سلباً على ذكرهم. لذلك، فإنّ صدق الإنسان في حياته، وفي عمله، وفي ذكره، وفي إخلاصه، في كلّ شيءٍ يؤدّيه، وفي كلّ شيءٍ يفكّر فيه، دون أن ينتظر صورةً لعائدٍ أو لجزاءٍ ينتظره، هو الذي يجعله أكثر حياةً وأكثر نموّاً روحيّاً.
أن يرى أو لا يرى، فهذا أمرٌ آخر. قد يريه الله ما يطمئنه، ولكن عليه ألّا يتعلّق بذلك. ولذلك، عبّر الصّوفيّة عن ذلك بقولهم: [كلّ الجمالات منّي فلا تنشغل بها عنّي]. وقد عبّرنا عن ذلك في ماضٍ بإنسانٍ يسير في قطارٍ سريع، يرى كثيراً من الأمور الجميلة كلمحات، إذا أراد أن يوقف القطار ليستمتع بهذه الجمالات، فهو لن يصل إلى هدفه.
لذلك، لا تنشغل إلّا بذكر الله يوم تذكر الله، ولا تنشغل إلّا بالتدبّر لتعرف ولتتعلّم، دون أن تنتظر شيئاً من وراء ذلك. وإذا تعرّضت لمسألةٍ، فعليك أن تبذل جهدك لإصلاحها وحلّها بما أوتيت من علمٍ وقوّة، دون أن تقصّر في ذلك، ودون أن تنتظر جزاءً لذلك.
لو أنّ الإنسان تمسّك بهذه الأمور ووجد نفسه قادراً عليها، فعليه أن يحمد الله كثيراً، ويعرف أنّه بذلك رأى كلّ كرامة ورأى كلّ جمال. يرى الجمال في وجوده يوم يكون مترفّعاً عن الصّغائر، ويوم يكون مجدّاً في عمله، ويوم يكون مخلصاً في ذكره، ويوم يكون متعاملاً بما يحبّ أن يُعامَل به في معاملته. هذا هو الجمال، وهذه هي الإشارة.
عباد الله: فلنخلص في ذكرنا وفي أعمالنا وفي تدبّرنا وفي معاملاتنا، متعاملين مع الله، مكبرين الله عن أي صورةٍ وشكل، نفوّض أمرنا لله، ولا ننشغل إلا بذكر الله، وإلّا بوجه الله. وقد عبّر أيضا الصّوفيّة عن ذلك في الجانب الغيبيّ والمعنويّ بـ : [جلّهم يعبدوك من خوف نارٍ ...  ويرون النّجاة حظاً جزيلاً، ليس لى بالجنان والنّار حظٌ أنا لا أبتغى بغير وجه ربّى بديلا](4).
فهنا، الأساس هو إنّك يوم تنشغل بذكر الله، لا تفكّر في نتيجة هذا الذّكر، وإنّما تذكر الله لأنّك لا ترى إلّاه، ولا تقصد إلّا وجهه، وتعلم أنّه هو الحياة وهو النّجاة. ولذلك، لا تفكّر إلّا فيه، ولا تقصد إلّا وجهه، ولا تسأل إلّاه، ولا تتوكّل إلّا عليه، ولا تفوّض أمرك إلّا إليه، ولا تسلم نفسك إلّا إليه، ولا توجّه وجهك إلّا إليه.
هكذا، تكون في معنى العبوديّة لله بجانبها الغيبيّ، كما أنك تكون في معنى العبوديّة لله بجانبها الماديّ، يوم تخلص في كلّ ما تفعله على هذه الأرض، ولا ترى إلّا أنّه تعاملٌ مع الله.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يساعدنا على ذلك، وأن يوفّقنا لذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم اكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وأرزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.   
_______________

(1)          حديث شريف نصه: "المرءُ مع من أحَبَّ" الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: البخاري، خلاصة حكم المحدث: [صحيح].

(2)          "وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ"[الرعد 23،22].

(3)          حديث شريف: "منْ شَغلهُ ذِكري عن مَسألَتي أعطيتُه أفضَلَ ما أُعطِي السَّائلينَ". المحدث: الزيلعي، المصدر: تخريج الكشاف، خلاصة حكم المحدث : صحيح.

(4)          من أشعار رابعة العدوية.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق