الاثنين، 17 يوليو، 2017

كلّ لجوءٍ إلى الغيب له مظهر شهادة

حديث الجمعة 
14 رمضان 1438هـ الموافق 9 يونيو 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
"الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43].
عباد الله: [إنّ في أيام دهركم لنفحات فتعرّضوا لها](1)، تعرّضوا لها لتكونوا أهلاً لهداية الله ولتوفيق الله، ولتكونوا فيمن هدى الله، "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
إنّ الإنسان على هذه الأرض يمرّ بمراحل كثيرة، فقد يتصوّر في لحظةٍ من اللحظات أنّه قادرٌ بالأسباب وبالشّهادة وبالقوانين الماديّة، أن يغيّر أيّ شيء. وفي لحظاتٍ أخرى قد يعتقد أنّه لا يستطيع أن يغيّر أيّ شيء. والحقيقة ليست في هذا أو ذاك.
فهناك ما تستطيع أن تغيّره باستخدام قوانين الحياة، وهذا واجبٌ عليك أن تفعله. وهناك ما لا يمكن تغييره باستخدام قوانين الحياة، وهنا يجب أن تتّجه إلى الله، تتّجه إلى الغيب، تتّجه بالدّعاء أن يغيّر الله ما ترى أنّه الأسوأ، إلى الأفضل.
لذلك، نذاكر أنفسنا دائماً، بأن نكون في ذكرٍ دائم، وفي دعاءٍ دائم، وفي عملٍ دائمٍ أيضاً، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، الذّكر هو دعاء، هو وصلةٌ بالغيب، فأنت في حاجةٍ أن تكون في ذكرٍ دائمٍ لله، في دعاءٍ دائمٍ لله، وفي نفس الوقت تتفكّر في خلق السّماوات والأرض.
والتفكّر في خلق السّماوات والأرض، يعني أنّك تريد أن تتعلّم قوانين الحياة. فهذه القوانين لها حكمةٌ تطبّق في أحوالٍ معيّنة، وتُنتِج آثاراً محدّدة، وعليك أن تتعلّمها حتّى تستطيع أن تستخدمها وأن تُفعّلها في حياتك.
إنّا نجد في آياتٍ كثيرة هذين الشّقين، شقّ الغيب، وشقّ الشّهادة، "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]. بل أنّ شهادة أنّ لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله، تحمل أيضاً الجانبين، فشهادة أنّ لا إله إلّا الله هي شهادة غيب، وشهادة أنّ محمّداً رسول الله هي شهادة شهادة.
والاستقامة بين شهادة الغيب وشهادة الشّهادة، هي الصّراط المستقيم، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ..."[الفاتحة 7،6]. "...الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ..."، هم الذين هديت. و"...المَغضُوبِ عَلَيهِمْ..."، هم الذين أضللت. "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا".
والله يدعو النّاس دائماً برسله، وبرسائله، وبآياته وبقوانينه، "رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا..."[آل عمران 193]، فمن كان هذا المنادي؟ المنادي هم رسل الله، هي آيات الله، هي رسائل الله، هي نور الله، هو ما تجلّى الله به على خلقه. إنّ كلّ شيءٍ في الكون هو هذا المنادي. وتجلّى في بشرٍ من رسله، ويتجلّى دائماً في عباد الله الصّالحين، وفي أوليائه المصطفين، وفي العلماء الصّادقين، [علماء أمّتى كأنبياء بني إسرائيل](2).
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا..."، إيمانٌ غيبيّ، تلاه إدراكٌ لواقع الإنسان. "...رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193]، دعوة إدراك، أنّ الإنسان بقيامه على هذه الأرض في حاجةٍ دائمةٍ إلى الاستغفار والرّجوع إلى الحقّ.
هو إدراكٌ؛ لأنّ الإنسان في قيامه في هذا الحجاب لا يستطيع أن يرى ما وراءه، وإنّما رسله وآياته ورسائله تُبلِّغ الإنسان بما سيكون عليه. "رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ..."[آل عمران 194]، دعاء إقرارٍ بإيمانٍ بأنّ ما نفعله اليوم ينعكس علينا غداً. "...وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ"[آل عمران 194]، إقرارٌ بالقانون الحقّيّ الذي يُطبّق بعدلٍ إلهيّ وبرحمةٍ إلهيّةٍ أيضاً. فعدل الله باطنه رحمة، ورحمة الله باطنها عدل.
لذلك، فإنّ طريقنا هو طريق الغيب والشّهادة، هو طريقٌ نفهم فيه ونسلك، نتأمّل فيه ونتدبّر ونعمل، نعيش فيه بأرواحنا كما نعيش فيه بأجسادنا، نتّجه فيه إلى الغيب ونعمل بالشّهادة، ندرك فيه أنّ حياتنا على هذه الأرض بكلّ ما فيها لها آثارٌ على وجودنا، على وجودنا المادي والروحيّ، وأنّ علينا أن يكون تعاملنا دائماً مع الله، فإذا غفلنا فاستغفرنا الله، أصبحنا في معنى، "...فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..."[الفرقان 70]؛ لأنّ الغفلة أورثتنا استغفاراً، أورثتنا ذكراً. وإذا وُفّقنا وانتبهنا حمدنا الله وشكرنا الله على ما أنعم به علينا، فأورثتنا النعمة شكراً وذكراً. وإذا وُفّقنا في عملنا، فما توفيقنا إلّا بالله.
لذلك، نجد في ديننا، أنّ كلّ حياتنا مرتبطةٌ بالله، في أعمالنا، وفي معاملاتنا، وفي ذكرنا، وفي كلّ حالٍ من أحوالنا. وهذا ما نريد أن نكون عليه، ألّا يغيب عنّا رسول الله، وألّا يغيب عنّا ذكر الله، وألّا يغيب عنّا استغفار الله، وألّا يغيب عنّا حمد الله، وألّا يغيب عنّا توفيق الله، وأن نقوم حقّا في أن لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وأن نفوّض أمرنا لله، وأن نتوكّل في أعمالنا على الله.
عباد الله: هكذا نريد أن نكون في طريقنا، وفي حياتنا، وفي مفهومنا، وفي سلوكنا ـ نشهد حقّاً أنّ لا إله إلّا الله، ونشهد صدقاً أنّ محمّداً رسول الله، وندعو إلى الحضرتين بالحضرتين، ونقوم بين الغيب والشّهادة في استقامة، طالبينها دائماً في كلّ فاتحةٍ نقرؤها، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ...".
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّا نذكّر أنفسنا دائماً، أنّنا نعيش على هذه الأرض بين الغيب والشّهادة. علاقتنا بالغيب علاقةٌ أساسيّة وضروريّة، وعلاقتنا بالشّهادة هي كذلك أيضاً.
ونجد أنّ آيات الله تذكّرنا دائماً بذلك، فتعلّمنا الإيمان بالغيب، وإقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3،2]، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، بل أنّ شهادة أنّ لا إله إلّا الله وشهادة أنّ محمّداً رسول الله، هي أيضاً فيها الغيب وفيها الشّهادة.
والإنسان عليه أن يعرف كيف يميّز بين اللجوء إلى الغيب، وبين اللجوء إلى الشّهادة. فإذا كان هناك أمرٌ واضحٌ أنّه يعمل وفق قوانين الشّهادة، فعلى الإنسان أن يلجأ إلى الشّهادة. وإذا كان هناك أمرٌ لا تجد في الشّهادة وقوانينها ما يُمكّنك من تغييره، فواجبٌ عليك أن تلجأ إلى الغيب.
وفي الحقيقة أنّ كلّ لجوءٍ إلى الغيب، هو له مظهر شهادة. فأنت تلجأ بالدّعاء، وأنت تلجأ بالذّكر، والدّعاء والذّكر هما شهادة. وحين تتّجه إلى الأسباب في الشّهادة، فإنك تلجأ أيضاً إلى الغيب، فكم من الأسباب التي تتّبعها وتظنّ أنّها ستغير شيئاً، لا تغيّره. فعلينا أن نتذكّر دائماً، "...وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ ..."[هود 88].
هكذا نعلم أنّ كلّ عملٍ فيه جانبٌ من الغيب وفيه جانبٌ من الشّهادة، فإذا استقمنا في هذا الأمر، كنّا على الصّراط المستقيم الذي نطلبه دائماً في كلّ قراءةٍ لفاتحة الكتاب، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ".
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم كن لنا في الصّغير والكبير من شأننا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.   


  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ". الراوي: أبو هريرة، المحدث: العراقي – إسناده مختلف فيه.

(2)  حديث شريف أخرجه ابن النجار وقال بعض العلماء أنه لا أصل لهذا الحديث وقال آخرون أنه حديث مرفوع وأخرج أبو نعيم حديثا رفعه بلفظ "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد " وقد يدل على معناه الحديث الذي أخرجه كل من الترمذي وأبو داود "العلماء ورثة الأنبياء".                                                                                             




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق