الأحد، 16 يوليو، 2017

كلما ازداد الإنسان فهماً لما يقوم به، كلما زاد الأثر الناتج على وجوده ككل

حديث الجمعة 
22 شعبان 1438هـ الموافق 19 مايو 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نحمد الله الذي هدانا لهذا، "...وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43].
عباد الله: إنّ كلّ إنسانٍ مطالبٌ بأن يتفكّر ويتدبّر في خلق الله، وأن يتدبّر ويتفكّر فيما أمر به الله، حتّى يستطيع أن ينفّذ هذا الأمر بما يُصلِحه وبما يجعله أفضل في حياته الدنيا وفي حياته الآخرة. هذا ما اعتقدنا، ونعتقده، وسرنا عليه، وسنسير عليه. إن كان خيراً حمدنا الله، وإن كان فيه خطأٌ اكتشفناه، نستغفر الله ونرجع إلى الله.
إنّ ما هو شائعٌ بين النّاس ـ سواء علمائهم أو عامّة النّاس ـ أنّهم يعتقدون بحرفيّة تنفيذهم للعبادات التي أُمِروا بها، مع أنّ الأمر يجب أن يتفكّر فيه الإنسان حتّى يستطيع تنفيذه. والتّنفيذ ليس مجرّد أداءٍ شكليّ، إنّما هو أداءٌ روحيّ ومعنويّ قبل أن يكون أداءً شكليّاً.
قد نصل في ظاهر الأمر إلى أن نؤدّي جميعاً نفس المنسك، ولكن ـ كما أشرنا ـ أنّ القضيّة ليست في توحيد الأداء الشّكليّ، إنّما القضيّة بالنّسبة للإنسان هي في فهمه ونيّته لما يقوم به. وهذا هو الفارق بين إنسانٍ وإنسان. ليس الفارق أنّ هذا له شكلٌ معيّنٌ في الأداء والآخر له شكلٌ آخر في الأداء، وإنّما القضيّة في كيف يؤدّي هذا الإنسان صلاته ـ على سبيل المثال ـ وكيف يؤدّي الآخر صلاته.
هذا أدّى بنا إلى أن نتفكّر في مفهوم كلّ العبادات في كلّ الأديان، بحيث نتفهّم المقصود من الأمر بكلّ منسكٍ وبكلّ عبادةٍ. وقد تحدّثنا كثيراً في ذلك. والمهمّ هو أن ندرك المفهوم الذي يحمله كلّ أمرٍ. وهذا هو المنهج الذي سرنا عليه، ونسير عليه.
وما فهمناه غير ملزمٍ لآخر، إذ أنّ على كلّ إنسانٍ أن يُكوِّن مفهومه، ولكن ما نقوله دائماً، أنّ على كلّ إنسانٍ ألّا يقلّد لمجرّد الأداء الحركيّ الحرفيّ، وإنّما عليه أن يتفهّم ويتفكّر ويتدبّر ما يقوم به. وهذا المفهوم العامّ يشمل الدنيا والآخرة.
يشمل أيضاً كلّ عملٍ ماديّ يقوم به الإنسان. الفارق بين إنسانٍ وإنسان في أيّ عملٍ حِرَفيّ أو مهنيّ أو ماديّ ـ سمّه ما شئت ـ هو بين إنسانٍ يفهم ما يقوم به، ويعرف ما يؤدّيه، ويعرف نتائج ما يؤدّيه، ويعرف الأسباب التي تجعله يقوم بهذا الفعل ـ وبين إنسانٍ آخر لا يستطيع أن يفهم الأسباب التي تجعله يقوم بفعلٍ معيّن، إنّما يقوم به لمجرّد ملاحظةٍ بسيطة، ولا يعرف ماذا سوف ينتج عن هذا العمل الذي يؤدّيه.
إنّه مثل إنسانٍ يتحدّث عمّا لا يعرفه، فيقول كلاماً لا يعرف تأثيره على النّاس، فقد يسبّب ذلك فتنةً وبلبلةً وضجّةً دون داعٍ، ولا يعرف لماذا يقول هو ذلك في المقام الأول، إنّما هو يقلّد، أو له مآرب أخرى ليست فيها استقامة وليست على حقّ.
لو نظرنا في كلّ حياتنا، سوف نجد أنّ الفارق بين إنسانٍ وإنسان، هو أن يعلم وأن يفهم "...هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ..."[الزمر 9]، وبعد علمه يعمل، هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون؟ "وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..."[التوبة 105].
ورسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يشير إلى هذا المفهوم في معنى أو في حديثٍ، "إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"(1). والإتقان هو إدراكٌ لضرورة القيام بالعمل، وللأثر الناتج عنه، ومن هنا تصبح متقناً يوم تدرك ذلك.
فالقضيّة إذاً، هي مفاهيمٌ تؤدِّي إلى صلاح الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، وما يُصلِح الإنسان في الدنيا هو ما يُصلِحه في الآخرة، [الظّاهر مرآة الباطن](2). حين ندرك ذلك، نعرف أنّ الحياة هي حياةٌ واحدة بأوّلها وآخرها، بظاهرها وباطنها، بماديّها وبروحها. إنّها حياةٌ لها قوانينٌ، ولها مفاهيمٌ، ولها أصولٌ. وما جاءت الأديان إلّا لتكشف للإنسان عن هذه المفاهيم وعن هذه القوانين.
ربّما لا يتقبّل البعض هذه المفاهيم التي نقولها، وربّما يرون أنّها لا داعي لها، وربّما أنّهم لا يستطيعون فهمها، وربّما يرون في القيام الجسديّ الماديّ الحركيّ ما يكفي، وربّما يحدّون الدّين في هذه الحركات والسّكنات، وربّما وربّما وربّما، كلٌّ بقدره، وكلٌّ بعلمه، وكلٌّ بفهمه، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى، ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى"[الأعلى 13:9].
إنّ مبدأ التّذكير قائمٌ ومطلوبٌ من كلّ إنسان، عليه أن يذكّر بما يفهمه دون أن يُلزِم الآخرين به، وعليه أيضاً إذا وجد أفضل ممّا علمه أن يرجع إلى هذا الأفضل وأن يترك الأقلّ، عليه أن يكون دائماً مراجعاً لمفاهيمه، ومراجعاً لنفسه، ومراجعاً لحاله، ومراجعاً لكلّ ما يصدر عنه، وأن يرجع دائماً إلى الله، وأن يتوب إلى الله، وأن يستغفر الله، "إن لم تذنبوا وتستغفروا، لأتى بقومٍ آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم"(3). فهنا مراجعة الإنسان لحاله وأفعاله وأقواله ومفاهيمه، مطلوبةٌ دائمة، حتّى يستقيم الإنسان في حياته وفي سلوكه.
ونقول دائماً، أنّ إدراك الذّنب يعني أنّك قد تعلّمت شيئاً. والتعلّم في حدّ ذاته هو مغفرة ما قمت به، إذا كنت قد تعلّمت حقّاً. وهكذا، فيكمن في الذّنب وفي إدراكه المغفرة، كما أنّ الغرور بالعمل والإحساس بالكبرياء يجعل العمل ذنباً، وعدم إدراكك لذلك هو ذنبٌ أكبر، فإذا أدركت ذلك، أصبح مغفرة، وأصبح كسباً لك في الله، [اتبع السيئة بالحسنة تمحها](4)، فهذا سرٌّ من أسرار المغفرة، ومن رحمة الله بالإنسان.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا أهلاً لرحمته، وأن نكون من المستغفرين دائماً، الرّاجعين إلى الحقّ دائماً، المدركين لما نقوم به دائماً، وأن نكون معرّضين أنفسنا لرحمات الله دائماّ.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نوضّحه اليوم: هو قيمة علم الإنسان بما يؤدّيه، علمه بالأسباب التي تؤدّي به أن يعمل عملاً، وعلمه بالنّتائج التي تحدث عن هذا العمل، وعن آثاره على نفسه وعلى مجتمعه ـ إدراك الإنسان لذلك، يجعل عمله عملاً صالحاً، يجعله يتقن عمله، يجعل لعمله آثاراً حسنة على نفسه وعلى مجتمعه.
وإذا طبّقنا هذا الفهم أيضاً على عبادات الإنسان، سوف نجد أنّها أيضاً تُنتِج آثاراً تُصلِح حاله وتُصلِح من حوله. وهذا يجعلنا نتأمّل ونتدبّر في كلّ عملٍ أو عبادةٍ نقوم بها، ونتفهّم مقصدها، ونحاول أن نقوم في مقصدها ونحن نؤدّيها، بذلك نكون في طاعةٍ لقانون الله. والطّاعة لقانون الله، هي إدراك أنّ هذا هو السّبيل الوحيد لتحصيل ناتجٍ جيّد.
كما يطيع الإنسان الله فيما يعرفه من علمٍ في أمور الحياة الماديّة، إنّه يعرف أنّ هذا الفعل يُنتِج أثراً في كائنٍ أو في نباتٍ أو في أيّ شيءٍ على هذه الأرض، فيفعله. يعلم أنّ النّبات يحتاج إلى الماء فيعطيه له، يعلم الطّبيب أنّ المريض يحتاج إلى هذا الدّواء فيعطيه له، وبذلك يطيع الله؛ لأنّه يطيع قانونه.
فتفهّمك لمقصد الصّلاة والقيام بها كما تفهم، هو يؤدّي إلى نتيجة، وهذه النّتيجة لها أثرٌ حسنٌ عليك، أيّاً كان مستوى مفهومك. فكلّ إنسانٍ له مفهومه. أما إذا تضاءل مفهوم الإنسان بأنّه أصبح مجرّد تأديةٍ شكليّة فأيضاً لهذا نتيجة، وهي نتيجةٌ شكليّة أيضاً، لها تأثيرٌ لا يتجاوز جسده، في حركته، في ركوعه، في سجوده، في قيامه. كلّما ازداد الإنسان فهماً وإدراكاً وعمقاً لما يقوم به، كلّما زاد الأثر النّاتج عن ذلك على وجوده ككلّ، قلباً وقالباً.
قد يرى الإنسان نتيجة ذلك وقد لا يراه، وهنا يتعلّم كيف يتعامل في هذه الحياة مع الغيب، فهناك غيبٌ في كثيرٍ من أمور حياتنا، والإنسان عليه أن يتّخذ قراره فيما يعتقد أنّه الأفضل، حتّى لو كان لا يرى النّتيجة اليوم.
عباد الله: نسأل الله: أن نقوم في ذلك، وأن يكون هناك أثرٌ على وجودنا المعنويّ والماديّ في كلّ عباداتنا، وفي كلّ أعمالنا.
نسأل الله: توفيقاً في كلّ ما نقوم به، وفي كلّ ما نقوله، وفي كلّ ما نعمله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    حديث شريف نصه: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". أخرجه أبو يعلي والطبراني (كتاب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للإمام السخاوي).

(2)    من خطبة للإمام علي ــ كرم الله وجهه ــ :"...اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه...".

(3)    "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم" حديث شريف أخرجه مسلم.

(4)    حديث شريف نصه: " اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: ابن العربي، صحيح .





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق