الاثنين، 30 يوليو 2018

مقياس الذي لا يُكذّب بالدّين: هو أن يكون متعاطفًا، متآلفًا، متّصلًا بكلّ كائنات الله، وليس بخرق العادات


حديث الجمعة 
1 شوال 1439هــ الموافق 15 يونيو 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
"... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ..."[الأعراف 43].
الحمد لله، الذي جعلنا من المتأمّلين، المتفكّرين، الذّاكرين، الرّاجين وجه ربّهم، المستغفرين، الطّالبين لرحمته، وعفوه، ونعمته.
نحسب أنفسنا كذلك، ونستعين بالله أن نكون أكثر استقامةً في مفهومنا وفي إدراكنا، مستغفرينه دائمًا أن نقول زورًا، أو نغشى فجورًا، أو أن نكون به مغرورين. فنحن نطمع في رحمته، وفي عطائه الغير محدود، وفي كرمٍ بلا حدودٍ أو قيود، وفي رحمةٍ تشملنا جميعًا، وتجعلنا أكثر فهمًا، وأكثر إدراكًا، وأكثر ذكرًا، وأكثر عملًا.
جاءت لنا آيات الحقّ، لتُعرّفنا معنى الدّين، "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ"[الماعون 1 ـ 3]، "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ"[التين 4 ـ 8]، "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ..." [آل عمران 19]، "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ..."[آل عمران 85].
إذا أخذنا هذه الآيات التي ذكر فيها لفظ الدّين، أو كلمة الدّين، وتأمّلنا في السّياق، لنعرف معنىً من معاني الدّين ـ لنا ـ لوجدنا أنّ الدّين هو ما تستريح له ضمائرنا، وما تستحسنه عقولنا، وما تطمئنّ له قلوبنا.
"أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ"، لو نظرت إلى هاتين الآيتين، ووضعت نفسك كإنسانٍ وأنت ترى يتيمًا، وترى مسكينًا، وما هو موقفك تجاهه، ما هو تفاعلك معه؟ الإنسان السّويّ، سوف يتعاطف مع هذا الإنسان الذي لا عائل له، ولا حول ولا قوّة له. وأمّا الذي لا يشفق على هذا اليتيم، ولا يتعاطف معه، ولا يحاول أن يساعده، ولا يتحرّك قلبه بأيّ عاطفةٍ تجاهه ـ هذا الإنسان، هو الذي وُصِف بأنّه "يُكَذِّبُ بِالدِّينِ".
فالدّين هنا، هو أن تجدك متعاطفًا مع اليتيم، ومع المسكين، ومع الفقير، ومع الضّعيف، ومع الصّغير، بل أنّ هذا يشمل أن تكون متعاطفًا مع كلّ كائنٍ بشريّ، كلّ كائنٍ حيّ، تشعر به، تتألّم لألمه، وتفرح لفرحه. إن كنت كذلك، فأنت لست ممن يُكذّبون بالدّين. فالدّين، هو كلّ ما هو أحسن، وأفضل، وأقوم.
فإذا جاءت الآيتان التّاليتان: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"[الماعون 4، 5]، فهما تربطان بين "الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ" وبين من هو عن صلاته ساهيًا، فلو أنّه كان مقيمًا لصلاته حقًّا، لتحوّل إلى كائنٍ متعاطفٍ مع الكائنات الأخرى، أمّا إن لم يُقِم صلاته بحقٍّ، فهو من "الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ"[الماعون 6، 7]، لا يكتفي فقط بأنّه لا يتعاطف ولا يُعطي، وإنّما يحاول أن يمنع المتعاطفين.
إنّ هذه الآيات، تضع مقاييس ومعايير، يمكن للإنسان أن يقيس نفسه عليها، وهي معاييرٌ ومقاييسٌ يمكن التّعرّف عليها في حياتنا البشريّة.
قد يتساءل البعض في الطّريق، عن إن كان هناك تقدّمٌ في سلوكهم. وإذا رجعنا إلى بعض الكتب التي تتحدّث عن ذلك، فربّما نجد أنّ الكثيرين يتحدّثون عن الأحوال، وعن الكرامات، وعن خرق العادات، وهم ينتظرون ذلك، ليقولوا أنّهم قد تقدّموا، أم لم يتقدّموا. وقد يحدث للإنسان بعض خرقٍ للعادات، فإذا انقطع ذلك، ظنّ أنّه قد تراجع، أو قد لا يحدث له ذلك كليّةً، فيقول أنّه لا يستفيد من طريقه، ولا يكسب من سلوكه.
إلّا أنّ هذه الآيات، تضع لنا مقياسًا آخر، هل يرِقّ حال الإنسان؟ هل يكون الإنسان أكثر تعاطفًا مع كائنات الله وخلقه؟ هل يكون الإنسان أكثر حبًّا للآخرين؟ "لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"(1)، هل هو فعلًا يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه؟ إنها أسئلةٌ قد تبدو بسيطة، ولكنّها في الواقع، لو سألنا أنفسنا هذه الأسئلة بحقّ، سوف نكتشف أنفسنا، ونكتشف حالنا.
فإذا نظرنا إلى الآيات الأخرى، التي تتحدّث عن الدّين أيضًا، التي ذكرناها الآن، "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ" ـ جاءت مرةً أخرى، "فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ"، سنجد أنّنا في نفس المعنى.
"فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"، فما هو الأجر الغير ممنون؟ ويسبقها "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"، هو أن ينعكس ذلك على تصرّفاتهم، وسلوكهم، وأحاسيسهم. يجدون أنّ ما أمرهم به الدّين، من أمورٍ تساعدهم على أن يتطوّروا ـ وهذا هو الأجر الغير ممنون.
أن يتطوّروا إلى حالٍ أفضل، بالمعايير التي تحدّثنا عنها، يصبحون أكثر تعاطفًا مع اليتيم، ومع المسكين، ومع الفقير، ومع المريض، ومع الجاهل، ويعلمون أنّ الدّين له بعدٌ آخر، وهو أن يحوّلهم ممّن يُكذّبون بالدّين، إلى أنّهم يصدّقون بالدّين. يُصدّقون، بمعنى الإيمان، وبمعنى العمل الصّالح، أنّ له تأثيرًا عليهم، أنّه يُغيّرهم.
ويُغيّرهم، ليس بأن يخرقوا العادات، أو أن يملكوا الكرامات، أو أن يشفوا المرضى، أو أن يتصوّروا أنّ دعاءهم يكون مستجابًا، فيتحقّق فورًا ـ ليس كلّ هذا هو ما يكشف عن أنّ الإنسان قد كسب من دينه، وإنّما حين يتطوّر ليكون أكثر تعاطفًا مع كائنات الله. والدّين، هو أن تكون كذلك، ومن "يُكَذِّبُ بِالدِّينِ"، هو من ليس كذلك.  
هكذا، نتأمّل في معنى الدّين ـ بالنّسبة لنا ـ لعلّنا بهذا التأمّل، نُرجِع البصر إلى داخلنا، لنحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسَب، لننظر هل نحن فيمن "يُكَذِّبُ بِالدِّينِ"، أم أنّنا خرجنا من هذا المعنى، وأدركنا أنّ الدّين هو الأفضل والأحسن والأقوم، وهو في أن تكون متّصلًا برباطٍ روحيٍّ معنويّ مع كلّ الكائنات. هذا ما نتعلّمه من هذه الآيات.
فنسأل الله: أن نكون من المدركين لمعنى الدّين ـ بالنّسبة لنا ـ وأن نكون من الذين لا يُكذّبون بالدّين، وأن نكون في صلةٍ مع كلّ خلق الله، صلة رحمةٍ ومحبّة، صلةٌ تُمكّننا من أن ننقل كلّ خيرٍ للآخرين، وأن نستقبل كلّ خيرٍ منهم.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
ما حاولنا أن نُوصّله اليوم من مفهوم: هو في معنى الآيات التي يُذكر فيها الدّين، وتناولنا آيتين: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ"، والآيتين الأخريين: "فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ".
الذي لا يُكذّب بالدّين، هو من يكون متعاطفًا، ومتآلفًا، ومتّصلًا بكلّ كائنات الله، وأن يتفاعل معهم تفاعلًا فيه رحمة، وفيه محبّة، وفيه تعاون، وفيه رفق ـ وأنّ ما أُمِر به الإنسان من عباداتٍ، هو لمساعدته أن يكون كذلك، وأن يُطوّر في وجوده هذا الإحساس.
وهذا مقياسٌ، يمكن للإنسان أن يستخدمه، ليعرف هل هو من المصلّين السّاهين عن صلاتهم، أو من المصلّين الغير ساهين عن صلاتهم؟ هل هو من الصائمين حقًّا، أم هو من الصّائمين بامتناعه عن الطّعام والشّراب فقط؟ هل هو في ذكره وبذكره تَغيَّر، أم أنّ ذكره لم يزده ولم يضف إليه شيئًا؟
لا ننظر إلى خرقٍ للعادات، أو إلى فعل الكرامات، وإنّما أن نتغيّر لنكون متآلفين، متحابّين، متعاطفين، معطائين، مزكّين، مساعدين، نؤدّي واجبنا ونخدم كلّ من نستطيع أن نخدمه.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يحقّق الله لنا ذلك.
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا، نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
_______________________

(1) حديث شريف. الراوي: أنس بن مالك. المحدث: البخاري. المصدر: صحيح البخاري.

  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق