الاثنين، 18 مارس 2019

أن تؤمن بالغيب، أمرٌ مجرَّدٌ؛ لأنَّه محجوبٌ عليك، ولكن تعلم أنَّ وراء هذا الحجاب معنىً وقوًّة وطاقةً لا تستطيع أن تتصوَّرها.


حديث الجمعة
17 جمادى الثاني 1440هـ الموافق 22 فبراير 2019م
السيد/علي رافع
حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائمًا لله، والشُّكر دائمًا لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: إنَّنا حين نتأمَّل في آيات الله، نجد كثيرًا من الآيات تخاطبنا عن أمورٍ في حياتنا، وفي سلوكنا، وفي علاقتنا بربِّنا. ونجد آياتٍ أخرى تحدِّثنا عن أمورٍ غيبيَّة، لا نستطيع أن نُجسِّدها، وفي نفس الوقت، قد نجد صعوبةً في الرِّسالة التي تحملها لنا. هذه الآيات التي تحدِّثنا عن وجودنا وعن قيامنا، هي آياتٌ محكماتٌ بالنِّسبة لكلِّ إنسانٍ وما يفهمه منها.
فحين نقرأ في الفاتحة، "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"[الفاتحة 2]، تُحدِّثنا عن علاقتنا بربِّ العالمين، قد يفهمها كلُّ إنسانٍ بعمق مَّا، وبفهمٍ مَّا، إنَّما هي تتكلَّم عن علاقةٍ بين العبد وربِّه، وأنَّ الحمد هو لربِّ العالمين.
قد يفهمها إنسانٌ على أنَّها مكافئٌ للشُّكر، وقد يفرِّق إنسانٌ بين الحمد وبين الشُّكر. وقد يفهمها إنسانٌ على أنَّها ذكرٌ وتسبيحٌ يقوم به، وقد يفهمها إنسانٌ على أنَّها حقيقة، أنَّ الحمد فقط لله ربِّ العالمين. وقد يمرُّ عليها إنسانٌ مرَّ الكرام. وقد يرى إنسانٌ أنَّ ما نقوله هو أمرٌ واحد، وقد يرى إنسانٌ آخر أن الفروق كبيرةٌ بين كلِّ مفهومٍ والآخر. ولكن في كلِّ الأحوال، يستطيع الإنسان أن يُعبِّر عن مفهومه بلغته، وبإدراكه، وبقدرته.
آياتٌ أخرى، يقف الإنسان أمامها، "وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ..."[الزمر 75]، آيةٌ من الآيات، إذا أردنا أن نُجسِّد الكلمات، فسوف نرسم صورةً لا تليق بإكبارنا لله عن أيِّ صورة، فقد نقف أمام هذه الآية، مجرِّدينها عن أيِّ صورةٍ وعن أيِّ شكل، وحين نردِّدها فلا نجعل أيَّ شكلٍ يُرسَم في عقولنا، وإنَّما نقرؤها تجريدًا.
وقد يقول قائلٌ: إنِّي أريد أن أفهم منها فهمًا، أو أتعلَّم منها علمًا، فيحاول أن يتأمَّل فيها كمعانٍ مجرَّدة. فنحن نذاكر دائمًا، أنَّ علاقتنا بالله في الأساس، هي علاقة غيب، فحين ننطق بلفظ الجلالة، فإنَّه تعبيرٌ عن الغيب. وكذلك، حين نؤمن "... بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ..."[البقرة 285]، فإنَّ إيماننا بالله وملائكته، هو إيمانٌ بغيب، فالملائكة هي غيبٌ علينا أيضًا.
وأن تؤمن بالغيب، هو أمرٌ مجرَّدٌ؛ لأنَّه محجوبٌ عليك، ولكن تعلم بأنَّ وراء هذا الحجاب، معنىً، وقوًّة، وطاقةً لا تستطيع أن تتصوَّرها. وكذلك، أنت لا تستطيع أن تتصوَّر ما وراء هذا الحجاب من أسبابٍ غيبيَّة.
فلذلك، في تأمُّلٍ سابقٍ تذاكرناه، أنَّ الملائكة هي وسائلٌ غيبيَّة، تربط بين الغيب والشَّهادة، بصورةٍ لا تستطيع أنت أيضًا أن تُجسِّدها. والكون بلا نهائيَّته، الله قائمٌ عليه بإحاطته، "اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ..."[البقرة 255]، "... وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"[البقرة 255].
والملائكة، هي وسائلٌ غيبيَّة، بين عرش الله بلا نهائيَّته، وبين الأكوان بمحدوديَّتها. فالكائنات محدودة في ظاهرها، فالإنسان له حدوده، والأرض لها حدودها، وما نراه كلَّه محدود مهما أُعطِينا من قدراتٍ تُمكِّننا من رؤية ما هو موجودٌ حولنا في الكون، فكلُّ ذلك محدود.
لذلك، قد نفهم من هذه الآية التي توضِّح لنا أنَّ الملائكة الحافِّين بالعرش، هم أسبابٌ وأدوات تواصلٍ بين الغيب وبين الشَّهادة، نرى ذلك في الرِّسالات السَّماوية، وجبريل ـ عليه السَّلام ـ يبلِّغ الرِّسالات، نرى ذلك في الآيات التي تحدَّثت عن بعض الملائكة وعلاقتهم بالإنسان، رموزٌ لمعانٍ أخرى كثيرة.
آياتٌ كثيرة، تتحدَّث عن أمورٍ غيبيَّة فيما بعد هذه الحياة، وما يحدث للإنسان في هذه الحياة الآخرة ـ وكما نذاكر ونتأمَّل دائمًا ـ أنَّ كلَّ هذه الآيات، بها رموزٌ كثيرة، وفهمك لها، يجب أن يقوم على أنَّها ترمز لقضايا حقيَّة مرتبطة بالإنسان، مثل الإنسان ونتيجة عمله في الدُّنيا وفي الآخرة، هذه قضيَّةٌ فيها آياتٌ كثيرة، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]، "وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ..."[التوبة 105].
فأنت تفهم هذه القضيَّة، وتستطيع أن تجد لها في حياتك الظَّاهرة صورًا واضحة، تُعبِّر عنها، فالإنسان الذي يجتهد ويعمل، سوف يجد نتيجة عمله، والإنسان الذي يتكاسل ويتباطأ ويتغافل، سوف أيضًا يجد نتيجة عمله، قانونٌ ظاهرٌ في الحياة المادِّيَّة. وكلُّ قانونٍ في الحياة المادِّيَّة، يقابله قانونٌ في الحياة الرُّوحيَّة.
ومن هنا، تدرك وتتعلَّم من الآيات التي تُعبِّر عن ذلك في الحياة الآخرة، من ثوابٍ أو عقابٍ، وكلّها نتيجة أعمالٍ. لذلك، تجد الآية تقول: "غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ..."[غافر 3]، تعبيرًا عن قانونٍ فيه الرَّحمة، وفيه القوَّة، فيه العدل، فيه العقاب، كلُّها نتيجة أعمال الإنسان، "... إنَّما هي أعمالكم تردُّ إليكم ..."(1).
الإنسان، مُنِح بقانون الحياة، المغفرة، والتَّوبة، والتَّعلُّم من أخطائه، "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقومٍ آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم"(2)، "غَافِرِ الذَّنبِ"؛ لأنَّك إن تعلَّمت من خطئك أو من ذنبك، فقد غُفِر لك، فالمغفرة تكمن في التَّعلُّم، وهذا قانونٌ يُعبِّر عنه، "غَافِرِ الذَّنبِ".
وإن أدركت ما فعلت، وما فيه أخطأت، وإلى الله رجعت، فهذا قانون التَّوبة، "قَابِلِ التَّوْبِ". أمَّا إذا إلى النَّاس أسأت، وحقوقهم أخذت، وحَكَمتهم فتسلَّطت، فهذا قانون "شَدِيدِ الْعِقَابِ"؛ لأنَّك لم ترجع عمَّا فعلت، ولم تُصلِح ما آذيت، ولم تَبْنِ ما هدمت، ولم تُصلِح ما أفسدت ـ فبذلك فسدت، وأصبحت غير قابلٍ لأن يُغفَر لك، وأن يُتاب عليك.
ولذلك، حين نتأمَّل في المعاني التي تُعبِّر عن العقاب من معنى النَّار، "... نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ..."[التحريم 6]، هذه النَّار، هي لمن أصبح غير صالحٍ لمواصلة الحياة، بما أفسد من وجوده، فأصبح لا يستطيع أن يبقى حيًّا، يدخل في طورٍ آخر من التَّغيير والتَّعديل.
أما الذي حَيِيَ، فيبقى حيًّا عند ربِّه يُرزق. "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169].
عباد الله: نسأل الله: أن نتعلَّم من آياته، وأن نتدبَّر فيما جاء به إلينا، وأن نعلم أنَّ كلَّ ما نفهمه، هو قطرةٌ من بحرٍ كبير ليس له نهاية، فنتَّجه إلى الله دائمًا بالدُّعاء أن يغفر لنا، وأن يتوب علينا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة، والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنَّ هناك آياتٌ كثيرة، تحمل معانٍ نستطيع أن نجد لها واقعًا في حياتنا، قد نختلف أيضًا في فهمها وفي عمقها، إلَّا أنَّ لكلٍّ منَّا فهمه فيها. وأنَّ هناك من الآيات، ما هو مجرَّدٌ، لا يمكن أن نُجسِّده فقط في صورةٍ من خيالنا، ونرسم له شكلًا من حياتنا المادِّيَّة لمقابلٍ له؛ لأنَّ هذا فيه قصورٌ في الفهم؛ لأنَّ الله تعالى عن أيِّ صورةٍ نصفها، وعن أيِّ شكلٍ نرسمه.
وكذلك، كلُّ ما بعد هذه الحياة، من آياتٍ تصفها، هي تعبيرٌ عن قانونٍ نستطيع أن نلمسه في حياتنا، وأنَّه ممتدٌّ ما بعد حياتنا، ولكن أدوات تنفيذه، تتعالى كثيرًا عن قدرتنا عن أن نحيط به وأن نتصوَّره، وأنَّنا بوجودنا في هذه الشَّهادة، لنا علاقةٌ ـ مع كلِّ ذلك ـ بالغيب، ولكن هذه العلاقة قائمةٌ على الدُّعاء، وعلى الذِّكر، وعلى الطَّلب للوصلة والاتِّصال.
وأنَّ لله أدواته في الظَّاهر والباطن. فأدواته في الظَّاهر، ما كشف لنا من علمٍ، وما سيكشف لنا من علمٍ مادِّيّ. وأدواته في الباطن، رَمَز إليها في آياته بالملائكة، وأعطانا صورًا لهذه العلاقة، ولكن في واقع الأمر، لا نستطيع أن نحدَّها أو نحصرها فيما قيل، أو فيما فهمنا، فهناك أدواتٌ كثيرة في عالم الباطن، لا نستطيع أن نحيط بها، أو أن نتصوَّرها.
عباد الله: نسأل الله: أن نقوم أمرًا وسطًا، بين ما نستطيع أن ندركه وبين ما لا نستطيع أن ندركه إدراكًا كاملًا، وأن نكون متعاملين مع الله غيبًا، وأن نكون قائمين في الشَّهادة، فيما نرى أنَّه الحقُّ والخير والصَّواب.
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا، نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقَّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همَّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.    
____________________
(1)    حديث قدسي: "قال اللهُ تعالَى: يا عبادي! إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُه مُحرَّمًا فلا تَظالموا، يا عبادي! إنَّكم تُخطِئون باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أُبالي فاستغفروني أغفِرْ لكم، يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُ فاستطعِموني أُطعِمْكم ، يا عبادي! لم يبلُغْ ضُرٌّكم أن تضُرُّوني ولم يبلُغْ نفعُكم أن تنفعوني، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإِنسَكم اجتمعوا وكانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منكم لم يُنقِصْ ذلك من مُلكي مثقالَ ذرَّةٍ، ويا عبادي ! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإنسَكم اجتمَعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني جميعًا فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَه لم يُنقِصْ ذلك ممَّا عندي إلَّا كما يُنقِصِ المَخيطُ إذا غُمِس في البحرِ، يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ إليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه". الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: أبو نعيم، المصدر: حلية الأولياء، خلاصة حكم المحدث: صحيح ثابت.
(2)    "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم". حديث شريف أخرجه مسلم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق