السبت، 5 مايو 2018

التّواصي بالحق والصّبر هو طريق الصّلاح والفلاح، والحقّ هو وجودنا هو قانون الله


حديث الجمعة 
18 شعبان 1439هــ الموافق 4 مايو 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله، الذي جعل لنا بيننا حديثًا متّصلًا، نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا ـ وهذا ما وُجِّهنا إليه في ديننا، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3:1].
والتّواصي بالحقّ، ليس مجرّد تذاكرٍ بكلماتٍ، أو بأقوالٍ، أو بصورٍ، أو أشكالٍ، أو معاملاتٍ ـ إنّما هو تأمّلٌ وتدبّرٌ في معنى الحياة ووجودنا عليها، وهو أمرٌ مطلوبٌ من كلّ إنسان، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]، توجيهٌ دائمٌ بالتّأمّل والتّدبّر في خلق الكون، وفي خلق الإنسان، وفيما يحدث حول الإنسان، وفي آيات الله للإنسان، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53].
والهاء هنا، في "يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" تحتاج منّا إلى تأمّلٍ، فهي تعود على معنىً طالما ذُكِر لنا في آياتٍ كثيرة، وهذا المعنى هو مستقبل الإنسان، ومعنى الحياة التي تواجد فيها، معنى القانون الذي تواجد من خلاله، معنى وجوده نفسه، معنى ما أعطاه الله من عقلٍ، ومن قلبٍ، ومن ضميرٍ، ومن جسدٍ، ومن قدرةٍ على التّغيير، ومن قدرةٍ  على السّعي ـ حتّى يتبيّن لهم أنّ وجودهم هذا، هو الحقّ، وأن قانون الحياة هو الحقّ.
والحقّ، هو ما يرونه فعلًا وقولًا وعملًا، الحقّ هو ما يتواصون به ليفهموا حياتهم، وليحسّنوا سلوكهم، ليطهّروا قلوبهم، ولينيروا عقولهم، وليعرجوا بأرواحهم، وليستقبلوا قبلتهم، وليعرفوا سفينتهم، وليتّبعوا إمامهم، وليقتدوا برسولهم.
"لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..."[التوبة 128]، ليكون مثلًا لكم، وقدوةً تقتدون بها، لا في شكلٍ أو صورة، وإنّما في منهجٍ أرساه، وفي شريعةٍ بيّنها، شريعة الحقّ، شريعة الحقّ التي أعلت من قدر الإنسان، ومن قدر الجماعة، التي جعلت من الإنسان خليفته على الأرض، وحمّلته الأمانة، وكلّفته بالمسئوليّة، [كلّكم راعٍ، وكلّكم مسئولٌ عن رعيّته](1).
والمسئوليّة، أن يُعمِل عقله، وأن يُعمِل قلبه، لا أن يردّد قولًا، ولا أن يتّبع أمرًا لا يرى فيه الصّلاح، بأن يتّبع سلفًا قديمًا، أو حتّى علماء حاضرون، فكلّ إنسانٍ مسئول، ولا يستطيع أن يحتجّ إنسانٌ بأنّه اتّبع إنسانًا آخر؛ لأنّ الله أعطاه عقلاً، وأعطاه قلباً، وأعطاه قدرةً.
فإذا فرّط في كلّ ذلك، أصبح "...أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28]، "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ..."[البقرة 166]، ويوم يتبرّأ الشّيطان من الذين اتّبعوه، فيقول لهم: "... وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ..."[إبراهيم 22].
ومن هنا، كان الإنسان هو اللبنة الأولى في هذا الوجود، وفي كلّ مجتمعٍ، وعليه أن يتواصى بالحقّ ـ كما أشرنا إليه هنا وعرّفناه ـ ويعلم أنّ هذا التّواصي يحتاج إلى مثابرةٍ، وإلى مداومة. لذلك، فهناك احتياجٌ أن يتواصى الإنسان بالحقّ، وأن يتواصى بالصّبر، فستقابله مشاكل كثيرة، في فهمه، وفي سلوكه، ومن النّاس حوله، ومن أحداثٍ تلاحقه، سواء كانت هذه أحداثًا تخصّ شخصه، أو تخصّ مجتمعه، أو تخصّ أرضه، من الطّبيعة، أو من النّاس في مجتمعه، أو في عالمه.
هو معرّضٌ لأمورٍ كثيرة، وما يصل إليه، قد يجد من يتحدّاه فيما وصل إليه، وأن يسفّه ما وصل إليه، "سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ..."[البقرة 142]، وهذا تحدٍّ دائمٍ في حياة الإنسان، وعليه أن يقبل هذا التّحدّي، وأن يفكّر فيه، وقد يكون على حقٍّ وعليه أن يستمر على ما هو عليه، وقد يكون على باطلٍ وعليه أن يرجع عنه، وإنّما عليه أن يستمع إلى حديث الله له في كلّ ما يصل إليه، من الطّبيعة، ومن النّاس، ومن كلّ حادثةٍ تحدث له.
وقد يجعله تحدّي النّاس له، أكثر صلابةً فيما يعتقد، ويقوَى بذلك فهمه، ويتواصى به أكثر، وقد يجعله أيضًا يُراجع نفسه، والرّجوع إلى الحقّ فضيلةٌ دائمًا، فيصحّح فهمه، ويكون أكثر طاقةً، وأكثر قوّةً فيما يعتقد، وفيما يقوم عليه.
فلا يجب أن يفرح الإنسان بفكرةٍ جاءت له، وإنّما عليه أن يختبرها، وأن يتمعّن في اختبارها، وأن يكون دائمًا مستمعًا لما يُوجَّه إليه ـ وكما قلنا ـ قد يزداد تصديقًا لما هو عليه، أو قد يرجع عمّا هو عليه، فالصّبر مطلوبٌ؛ لأنّه يجعل الإنسان في محاولاتٍ مستمرّة، لا يتعجّل نتيجةً.
وإنّما هو يدرك أنّه طالما هو قائمٌ على هذه الأرض، فعليه أن يجاهد، وأن يحاول، وأن يحاول، وألّا يصل إلى أن يغترّ بنفسه، أو يغترّ بقوله، فهو مستعدٌّ دائمًا أن يتغيّر إلى الأفضل والأحسن والأقوم، ويطلب عونًا من مصدر الحياة، أن يجعله دائمًا متقبّلًا أن يتغيّر، ومتقبّلًا أن يبحث أكثر، وأن يتعلّم أكثر، وأن يفهم أكثر.
وهذا التّوجُّه، هو توجُّهٌ إلى القبلة، توجُّهٌ إلى مصدر الحياة، توجُّهٌ إلى الحقّ ـ وهذا تأمّلنا في معنى القبلة، وفي معنى البيت، فهو مصدر الحياة على هذه الأرض، وما البنيان الموجود إلّا تعبيرٌ عن هذا المعنى، تعبيرٌ عن هذا المعنى الذي سيظلّ دائمًا قائمًا على هذه الأرض.
عباد الله: هكذا نتدبّر في آيات الله لنا، وكما نقول دائمًا: أنّ هذا التّدبّر هو أمرٌ مستمرّ لا يتوقف، وأنّ ما نريده، أن نكون أكثر صدقًا في فهمنا، وأكثر صدقًا في عملنا، وأن نستمرّ على ذلك، وألّا نعتقد أنّنا وصلنا إلى الكمال، [فما من كمالٍ إلّا وعند الله أكمل منه](2)، والعروج في طريق الله، هو عروجٌ لا نهاية له، وسيظلّ الإنسان في طلبٍ دائمٍ لما هو أعلى، ولما هو أفضل، ولما هو أقوم.
فنسأل الله: أن يجعلنا أهلًا لرحمته، وأهلًا لعلمه وحكمته، وأن نستمع إلى القول فنتّبع أحسنه، وأن نرجع إليه، وأن نتوب إليه، وأن نستغفره في كلّ لحظةٍ وحين، ونحمده أيضًا في كلّ لحظةٍ وحين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
_____________________
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ طريق الصّلاح والفلاح، هو طريق التّواصي بالحقّ، والتّواصي بالصّبر. والحقّ، هو وجودنا، وهو حياتنا، وهو قائمنا، هو قانون الله الذي أوجد على هذه الأرض، وما وراء هذه الأرض، وأنّه ـ بالنّسبة لنا ـ ونحن قائمون على هذه الأرض، علينا أن نتدبّر في قانونه، وأن نتأمّل في أسباب الحياة لنا، في معنى وجودنا، وفي معنى حياتنا.
وهذا فهمٌ يجب أن نحاول التّعمّق فيه، حتّى يساعدنا ذلك أن نكون أكثر صلاحًا، وأكثر فلاحًا في أعمالنا، وفي أقوالنا، وأيضًاً لنكون أكثر قدرةً على التأمّل أكثر، والتّدبّر أكثر، وأن نتواصى بما نصل إليه معًا، لنكون في معنى الذين تواصوا بالحقّ، والذين تواصوا بالصّبر، فهذا هو طريق الصّلاح والفلاح ـ كما نتأمّل، وكما نتدبر ـ.
ليست القضيّة قضيّة أشكالٍ نقوم فيها، ولا مناسك نؤدّيها، وإنّما هذه الأشكال، وهذه المناسك، ما هي إلّا وسائل، وما هي إلّا رسائل، نقرؤها لنتعلّم من أدائنا لها ـ وبقيامنا فيها، ندعو الله دائمًا، ونتّجه إلى قبلته دائمًاً.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا   منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    

__________________________ 

 (1) جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏"‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(2) مقولة الامام الجنيد.

       



  
.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق